لائحة الإرهاب .. أداة الابتزاز السياسي الأمريكي   

 

خالد الخفاجي

Khalid.alkhafaji@yahoo.com

 

تثير المعايير المعتمدة في اللائحة الأميركية للإرهاب الكثير من الجدل على الصعيدين القانوني والسياسي الدوليين، ويرى الكثير من الخبراء القانونيين والمحللين السياسيين إنها ترتكز إلى حد كبير على اعتبارات سياسية أكثر من كون هذه الدول والتنظيمات تشكل تهديدا للأمن القومي الأميركي, ناهيك عن رفض البيت الأبيض إثبات أو تبرير سبب إدراج أسماء بعض الأشخاص والأحزاب والتنظيمات والدول على اللائحة وهي ابعد ما تكون عن الإرهاب, بل إن هناك تعمد واضح في الخلط مابين الإرهاب والمقاومة ضد القوى الاستعمارية الغاشمة التي كفلتها جميع الشرائع والقوانين, ومن الأمثلة الأكثر وضوحا عن ابتعاد هذه اللائحة عن مضامينها هو وجود اسم الشخصية الأفريقية المناضلة "نيلسون مانديلا" وهو في أوج نضاله ضد نظام الفصل العنصري في بريتوريا وقد أدرج ضمن هذه اللائحة كإرهابي, والأغرب أن مانديلا الذي حاز على جائزة نوبل للسلام عام 1993 ظل إرهابيا في نظر الأمريكان لغاية عام 2008 حينما لم يجد الكونغرس مناصا من إزالته من اللائحة بعد اليأس من تطويعه لترويج السياسات الأمريكية في افريقيا, ومن هنا تتضح وجهة نظر الإدارة الأمريكية في كيفية تصنيف الإرهابيين.

 

بلا شك إن هذه اللائحة تمثل إحدى أدوات الابتزاز السياسي الأمريكية للدول التي تدرج بصفتها راعية للإرهاب, وهي إحدى الوسائل العديدة للتأثير في مواقف السياسات الخارجية العامة للدولة المدرجة, إذا ما علمنا إن اغلب الدول المدرجة ضمن اللائحة هي دول لا تروق لواشنطن وليست على وفاق معها أو مع حلفاءها, فقد أدرجت إيران عام 1984 لدعمها حزب الله اللبناني وعشرة فصائل مقاومة فلسطينية من بينها حماس والجهاد الإسلامي. وكوبا أيضا أدرجت لدعمها حركات التحرر في أمريكا اللاتينية, وكوريا الشمالية لدعمها بعض الحركات الإرهابية وفق التصنيف الأمريكي للإرهاب, ثم تلويح الرئيس الأمريكي "ترامب" بإدراج فنزويلا كدولة راعية للإرهاب لأنها "لا تتعاون بشكل كامل مع جهود مكافحة الإرهاب الأمريكية" وفق ماجاء في تقرير الخارجية الأمريكية !

يشير "قانون إصلاح الاستخبارات ومنع الإرهاب" لعام 2004 إلى أنه "حتى في حالة انخراط منظمة ما في أعمال إرهابية أو احتفاظها بقدراتها واحتفاظها بنيتها على القيام بالأعمال الإرهابية، فإن اعتبارات الأمن الوطني قد تخول حذفها من قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية", وهذا يعني إن القانون منح الإدارة الأمريكية إمكانية شطب أية منظمة إرهابية بعد استمالتها إلى جانبها والتحالف معها متى ما وجدت إن مصالحها تقتضي ذلك لشن الحروب بالإنابة التي تعد من أهم الاستراتيجيات العسكرية للولايات المتحدة في حروب القرن الواحد والعشرون, وتضرب قاعدة (لا تفاوض مع الإرهابيين) التي ترفعها وتفرضها على حلفاءها عرض الحائط, حتى بات واضحا إن هذه اللائحة ليست ذات هدف محدد وثابت في مكافحة الإرهاب وإنما هي لائحة متغيرة بحسب تغير المواقف الأمريكية وخارطة تحالفاتها وارتباطها بتحقيق المصالح الأمريكية.

 

ومن هنا نلحظ إن التغيير في السياسات الأمريكية وطريقة التعاطي مع الدول والمنظمات المدرجة يتوقف على ضعف الدولة ورضوخها أو جزع الولايات المتحدة من استمالتها فتقدم الجزرة على العصا. لقد أدرج اسم السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب عام 1993, مع أسماء بعض السودانيين قيل إنهم متورطون في النزاع في دارفور، فيما تشير الأسباب الحقيقية الى ارتباط الحكومة السودانية بعلاقات طيبة مع إيران وليبيا وحركة حماس وكانت معبرا للسلاح الإيراني لحركتي حماس والجهاد الإسلامي, كما أضيفت كوبا إلى اللائحة الأمريكية عام 1982 لدعمها بعض الحركات المسلحة والمصنفة بالإرهابية بحسب اللائحة الأمريكية طبعا، ولكنها رفعت من القائمة في عام 2015 في إطار تقارب تاريخي بين البلدين بعد تنحي الرئيس "فيديل كاسترو" وتولي شقيقه "راؤول" الحكم لتكون بداية لسياسة تودد أمريكي نحو كوبا ومحاولة فاشلة لاحتوائها, أما كوريا الشمالية، فأدرجت عام 1988 في قائمة الدول الراعية للإرهاب، إلا أن الإدارة الأمريكية رفعت اسمها من اللائحة عام 2008 في عهد الرئيس "جورج بوش" عقب الدخول في مفاوضات مع بيونغ يانغ لحثها على وقف أنشطتها النووية.

 

لقد استخدمت واشنطن أساليبها القذرة لاستمالة أعضاء هذه اللائحة من المنظمات الإرهابية وإغرائهم برفع اسمهم من اللائحة لخوض حروبها بالإنابة, فمنذ الإعلان عن هذه اللائحة عام 1997 صنفت منظمة "مجاهدي خلق" الإيرانية كمنظمة إرهابية بعد تدهور العلاقات مع النظام العراقي السابق الذي كان يأويها, ولكن مع تغير بوصلة الأعداء المحتملين لواشنطن واتجاهها نحو إيران وتوقيع منظمة "مجاهدي خلق" اتفاقا مع القوات الأميركية قبل غزو العراق بوضع مقاتليهم تحت سيطرة الجيش الأميركي فقد قررت الولايات المتحدة رفع اسم المنظمة من لائحة المنظمات الإرهابية عام 2012, خاصة بعد اندلاع الأزمة السورية وإمكانية استخدام مقاتليها في الحرب الدائرة هناك, وفعلا جرت مفاوضات عديدة بين المنظمة وما يسمى بالمعارضة السورية لتنسيق الجهود وتبادل الخبرات في الأعمال الإرهابية وبرعاية فرنسية, كما رسخت واشنطن عدم مصداقية هذه اللائحة واستخداماتها السياسية حتى عند اقرب حلفاءها, وباتت تركيا الحليف الأقوى في الشرق الأوسط تشعر بالقلق إزاء الدعم المادي والعسكري اللامنقطع لحزب العمال التركي, رغم تصنيفه كمنظمة إرهابية حسب اللوائح الأمريكية والبريطانية والاتحاد الأوربي, وإسناده عملياتيا للسيطرة على منطقة نفوذ مهمة  بين تركيا وسوريا والعراق تمتد الى إيران عبر الإقليم الكردي العراقي لتكون قاعدة وملاذا آمنا للحركات الإرهابية المدعومة من واشنطن لإقلاق هذه الدول, وأخيرا انخراط واشنطن في مفاوضات مع حركة "طالبان" إحدى أعتى المنظمات الإرهابية وصنيعة المخابرات الباكستانية الحليفة لإحلال السلام في أفغانستان, ولإشغالها بحرب لاهوادة فيها مع تنظيم إرهابي آخر (داعش) لإبقاء هذه المنطقة الحيوية المتاخمة لألد أعدائها (روسيا – الصين - إيران) في حالة اضطراب دائم وتواجد عسكري غربي دائم, أما تنظيم (داعش) الإرهابي فكل الدلائل تشير إلى انه من صنيعتها ويشن حروبها, في منطقة تعد الأكثر سخونة وحيوية في العالم.

 

وأخيرا .. فان ما وضعه المفكرون الإستراتيجيون والمخططون العسكريون الأمريكان من استراتيجيات الحروب للقرن الواحد والعشرين كاستراتيجيات الجيل الرابع من الحروب والحروب اللامتكافئة والتكلفة الصفرية للحروب والحروب بالإنابة كلها تشير إلى إن التنظيمات الإرهابية هي الجيوش الخفية للولايات المتحدة, وفي ظل الغطرسة والهيمنة الأمريكية تبدو فكرة الحرب على الإرهاب هو آخر ما تفكر فيه الإدارة الأمريكية, وما هذه اللائحة إلا لتأشير العدو المحتمل وعقد التحالفات ثم شن الحروب.



 

الإعلام الاليكتروني مصدر التجهيل وصناعة الكذب

 15-2-2019

خالد الخفاجي

Khalid.alkhafaji@yahoo.com

 

قد تكون أول كذبة أطلقت من على شبكة المعلوماتية هو ما نشره موقع "Usenet" الأمريكي عام 1984 عن خبر انضمام الاتحاد السوفييتي إلى شبكة الإنترنت, مع إن الاتحاد السوفييتي كان آخر ما يفكر به هو الانضمام إلى هذه الشبكة لأسباب أمنية, ومازالت روسيا لحد الآن تستخدم محرك بحث ومواقع تواصل اجتماعي خاصة بها.

كانت هذه مجرد كذبة 1 نيسان بريئة وبعيدة كل البعد عن حملات التضليل الإعلامية والافتراءات التي تحدث اليوم، والتي تهدف في ظل انعدام الضمير الأخلاقي والمهني والإجراءات الرقابية وحمى التنافس الغير شريف بين وسائل الإعلام المستقلة أو الرسمية على السواء, إلى جملة من الأهداف الخبيثة.

 

ورغم ما يتمتع به من سرعة النشر وسعة الانتشار وقلة التكاليف, فقد اتسم الإعلام الاليكتروني أكثر من غيره بصفة الانفلات من القيود والضوابط المهنية والأخلاقية وقدرته الفائقة على خداع وتمويه المتلقين وترويج الأخبار الكاذبة والمظللة, وفي هذا الجانب, ارتبط ارتباطا وثيقا بشبكات التواصل الاجتماعي وبات احدهما مكملا للآخر, وتبادلا الأدوار بينهما, تارة تطلق الكذبة في مواقع التواصل الاجتماعي لتنتشر بين جمهور المغفلين قبل أن تكون مصدر معلومات الوسيلة الإعلامية الاليكترونية التي ستؤكد الكذبة بتبرير تداولها من "نشطاء" وتغفل أمر التحري عن صحة المعلومة ومن يكون هؤلاء "النشطاء", وتارة أخرى تطلق الكذبة من الوسيلة الاليكترونية لتتناقلها بعد ذلك صفحات مواقع التواصل الاجتماعي الممولة من الجهة صاحبة المصلحة وليكون الموقع الاليكتروني مصدرا موثوقا لنشر هذه الكذبة.

 

ومع غزارة المحتوى المضلل والكاذب والغير دقيق فقد المتلقي الحصيف أي أمل حتى ولو كان ضئيلا للخروج من مستنقع التظليل الآسن, وفقد الثقة بمصداقية الإعلام عامة, وبات التشكيك بمصداقية الأخبار صفة شاعت مع شيوع الأكاذيب الاليكترونية يصعب دحضها بالمعلومات الحقيقية.

 

ولكن لماذا يصر المتلقي على التمسك بمعلومة غير صحيحة، حتى بعد دحضها نهائياً ؟

إحدى الإجابات التي رصدت من خلال صفحات التواصل الاجتماعي عن طبيعة تفكير المتلقي الميال لتصديق الأخبار الكاذبة هي وجود النزعة المتطرفة التي تدفعه الى تصديق الأخبار الكاذبة, مادامت هذه الأخبار تتناغم مع ميوله الفكرية. فإذا كانت هناك معلومة تُظهر الغريم بمظهر سيء، فحينها سيكون للمتلقي حافزاً عاطفياً يدفعه للاستمرار في الاعتقاد بصدق هذه المعلومة دون تكذيب.

وعلى الرغم من أن هذه الظاهرة واقعية للغاية إلا أن الملاحظ أيضا إن للجهل والغباء التأثير الأكبر في انجذاب المتلقي نحو الأخبار الكاذبة, حيث يعتمد "التأثير المستمر" للأخبار المزيفة على مستوى القدرة الإدراكية للفرد, ويمكن للأشخاص الذین يمتلكون مھارات إدراكیة أکبر أن يصححوا معلوماتهم تلقائيا حينما تحل معلومة جدیدة محل المعلومة القديمة الخاطئة. أما أصحاب التفكير والقدرات الإدراكية الأقل فسيكون من الصعب عليهم إجراء مثل هذا التصحيح, وأن أثر المعلومات الكاذبة لم يمح بالكامل عند الأفراد ذوي القدرات المعرفية الأقل, وتظل "الوقائع الكاذبة والمضللة" راسخة في فكر مجموعة كبيرة من المتلقين،

لهذا فان هذه الحالة تشكل حافزاً قوياً للوكالات الإخبارية لنشر المعلومات الحقيقية من المرة الأولى لكسب ثقة المتلقين واثبات مصداقيتها. ولكن ولسوء الحظ، فإنها تمنح أيضا السياسيين غير الأخلاقيين إجازة للكذب المنتظم بمعونة المؤسسات الإعلامية المضللة, وتُسرع لترسيخ الفكرة الخاطئة في أذهان المتلقين قبل نشر الحقائق في الوكالات الرصينة.

رئيس الرابطة الوطنية للمحللين السياسيين


 

سقطات ترامب .. انسحاب مفاجئ يقلب موازين التحالفات ويعيد العراق الى المواجهة من جديد

 

خالد الخفاجي

 

شكل قرار الرئيس ترامب بسحب اكثر من (2000) عنصرا من القوات الخاصة الامريكية من شمال شرقي سوريا ضربة قاصمة لحلفاءها السوريين بشكل عام وقوات سوريا الديمقراطية الكردية بشكل خاص الى الدرجة التي وصف فيها قادتها الانسحاب بانه خيانة وطعنة في الظهر، وبدا ان خارطة الصراع الاقليمي سيعاد رسمها من جديد على ضوء الفرص والتحديات المتوقعة.

 

لقد أدى الانعكاس المفاجئ لسياسة الولايات المتحدة بانهاء تواجدها العسكري المحدود في مساحة صغيرة بالغة الاهمية شرق الفرات إلى إثارة حنق حلفاءها من الاكراد, الذين عولوا على موقف الرئيس الامريكي في اتخاذ موقف صارم تجاه التحالف الذي تقوده روسيا اولا, ثم كبح جماح الرئيس التركي "اردوغان" الذي تستعد قواته لاقتحام المنطقة ثانيا, وبدلاً من ذلك، يأتي قرار الانسحاب ليفتح الباب واسعا للمزيد من توسع الجيش السوري وحلفاءه على الارض، ويعزز المخاوف الامريكية من نجاح ايران بإقامة ممر بري يوصلها بالبحر المتوسط وزيادة قدرتها على تحدي إسرائيل بشكل مباشر, كما انه يلقي بظلال من الشك في قدرة واشنطن من الحفاظ على تعهداتها تجاه حلفاء آخرين في المنطقة, ويمكن أن يدفع الكثير منهم الاتجاه الى الغريم الروسي الذي سيملأ الفراغ الذي تخلفه الولايات المتحدة ويعزز قواعده الجوية والبحرية في طرطوس واللاذقية وزيادة قدراته على نشر القوات العسكرية في غرب المتوسط.

 

لقد توصل الأمريكيون إلى استنتاج مفاده أنهم لن يستطيعوا ممارسة السلطة المطلقة في العراق وسوريا دون الاصطدام المباشر مع تركيا ثاني اكبر قوة عسكرية في حلف الناتو والحليف الاقوى, والتي بدأت بالانسلاخ التدريجي والاقتراب اكثر من الروس, او بايران وحلفاءها من الفصائل العراقية المسلحة, ومن هنا فانها ستفقد التأثير الأكثر اهمية من انتشار اكثر من (2130) عنصرا من القوات الخاصة شرق الفرات يوفرون الدعم والاسناد الجوي لقوات سوريا الديمقراطية والعمل كحاجز ضد التوسع الإيراني في سوريا، في وقت يعزز الرئيس السوري بشار الأسد سيطرته على المناطق الخاضعة لنفوذ المعارضين.

 

اسرائيل لم تخفي مخاوفها من الانسحاب وفقدان منطقة خارج سيطرة السلطة الشرعية السورية ومنها يتم دعم الاكراد في ثلاث دول متجاورة, بل انها ابدت مخاوف جدية من انسحاب القوات الامريكية ايضا من قاعدة "التنف" الواقعة على الحدود العراقية- السورية والقريبة من الحدود الاردنية وما يشكله هذا الانسحاب من فرصة مغرية لسيطرة حلفاء ايران في العراق على المعبر الحدودي في هذه المنطقة, وبالتالي ستحصل ايران على أقصر طريق بري يربط بين طهران والعاصمة السورية دمشق، طريق يمكن أن تستخدمه إيران لاستمرار تدفق السلاح والعتاد لدعم الجيش السوري وتعزيز ترسانة حزب الله المتنامية في لبنان, ورغم عدم تأكيد او نفي الادارة الامريكية الانسحاب من قاعدة "التنف" التي ينتشر فيها "250" عنصرا من القوات الخاصة الامريكية الى جانب وحدة قتالية مدربة تدريبا جيدا من الجيش السوري الحر المنشق عن الجيش النظامي, الا ان تبليغا طلب من المنشقين الاستعداد للانسحاب الامريكي دون تحديد موعد لهذا الانسحاب.

وهذا الانسحاب اذا ما تم فانه سيحتم على اسرائيل ان تكون وحيدة في مواجهة اعادة رسم خارطة التواجد الايراني في سوريا.

 

ولكن .. إيران اقتربت بالفعل من استعادة منفذ حدودي بري آخر يربط بين ايران ولبنان عبر العراق وسوريا من خلال المعبر الحدودي العراقي السوري في مدينة البوكمال السورية المحاذية لبلدة القائم العراقية, وهذا الموقع هو مفترق طرق للصراع الجيوسياسي, حيث يتقاتل للسيطرة عليه كل من الحكومة السورية وتنظيم "داعش" الارهابي وقوات سوريا الديمقراطية الكردية المدعومة من الولايات المتحدة وقوات الحشد الشعبي المدعومة من ايران, وقبل عام كان هناك سباقا محموما بين هذه القوى للسيطرة على المعبر عندما فكر الجيش السوري في استعادته, وافشلت الولايات المتحدة العمليات العسكرية التي قام بها الجيش السوري, ومع سحب الولايات المتحدة لقواتها من الحدود السورية، فان شعور اسرائيل بالقلق يتضاعف فيما اذا قررت امريكا سحب قواتها من العراق ايضا والذي ينتشر فيه حوالي 5200 جندي أميركي ويقدم معظمهم التدريب والمشورة والدعم للجيش العراقي، والحد من نفوذ ايران وحلفاءها في العراق.

وحيث المنطق يفرض علينا القول "إذا كانت الولايات المتحدة هزمت داعش في سوريا وبدأت الانسحاب، فإن داعش انهزم في العراق ويجب عليهم الانسحاب منه ايضا".

 

وازاء هذه المخاوف, ستبذل اسرائيل جهدها لعرقلة الانسحاب الأمريكي من العراق، خاصة من الحدود العراقية – السورية لضمان عدم تمدد النفوذ الايراني، حيث مازالت القوات الامريكية تحتفظ بقاعدة في الجانب السوري من الحدود في البوكمال تعمل كرادع لمنع تواصل إيران وحلفاءها عبر الحدود منذ ان غادرها الجيش السوري، في حين تمارس القوات الامريكية دورا اكبر في السيطرة على الحدود من الجانب العراقي من خلال قواتها المتمركزة في قاعدة "عين الاسد"  وهناك معلومات مؤكدة بان الجيش الأمريكي يبني قاعدة جديدة على الخط الذي يفصل الأنبار عن محافظة نينوى المجاورة, وستتمركز القوات الامريكية على بعد 30 كيلومترا شمال نهر الفرات قريبا من الحدود السورية, هذه القاعدة الجديدة ستوفر الدعم للفرقة الذهبية العراقية المقرر نشرها على الحدود السورية.

 

ولعل تلويح قادة قوات سوريا الديمقراطية بالانسحاب من مواجهة داعش في دير الزور بذريعة الاستعداد لمواجهة القوات التركية وعدم مقدرتهم على الاحتفاظ بمئات المعتقلين من التنظيم الارهابي هو تلويح وارد التطبيق لاعادة نفوذ داعش وتمكينه مجددا من السيطرة على الشريط الحدودي الفاصل بين العراق وسوريا, ويأخذ التنظيم دور القوات الامريكية في قطع الطريق امام التمدد الايراني, وسيبرع الامريكان في ضرب المتصدين لهم بنيرانهم الصديقة.

العراق ... اغتيالات وقتل, ودولة عاجزة عن حماية مواطنيها

 21-6-2018

خالد الخفاجي

 

     مع انحسار التهديدات الإرهابية في العراق تصاعدت وتيرة جرائم التصفيات الجسدية لشخصيات مختارة بدقة, تعددت أسبابها بين اغتيال سياسي وجرائم جنائية, كانت أصابع الاتهام دائما تتجه لمليشيا الأحزاب السياسية سواء تلك التي زجت بالقوى الأمنية وظلت على ولائها لأحزابها ومنفذة لأوامرها, أو تلك التي مازالت ترتبط ارتباطا مباشرا بها, وهذه من أهم الأسباب التي أدت إلى تردي الأوضاع الأمنية واتساع جرائم التصفية الجسدية وشيوع الجريمة المنظمة, وانحسار قدرات القوات الأمنية على فرض القانون أمام سطوة المليشيات الحزبية.

 

     واحدة من السمات المميزة للتصفيات الجسدية, هي إنها شملت جرائم قتل لشخصيات هي ليست جزءًا من الواجهة السياسية المعارضة للنظام, على عكس الأنواع الأخرى من الاغتيالات السياسية التي يشكل ضحاياها تهديدا مباشرا له, وشكلت المليشيات المرتبطة بالسلطة أو برجالات السياسة اليد الضاربة والخطيرة في تنفيذ هذه التصفيات في تحد صارخ لسلطة الحكومة بتقاعسها عن توفير الأمن إن لم تكن بتخطيطها وإشرافها, فالحكومة إذاً, تتحمل بشكل مباشر أو غير مباشر مسؤولية عملية تقويض القانون وتوفير أدوات القوة والدعم وإطلاق يد هذه المليشيات وعصابات الجريمة المنظمة على العبث بالأمن الوطني والمجتمعي.  

    

     وفي ظل ديمقراطية صورية, تعد جرائم الاغتيال السياسي محاولة شائعة لإسكات المعارضين والتخلص من تهديدهم للنظام السياسي, فهي تعد تكتيكا إرهابيا حكوميا منظما, يهدف إلى إرهاب المعارضين وإشعارهم بعجز هذه الحكومة عن توفير الحماية لهم من بطش الأوغاد والمنفلتين, وبالتالي سيكون عليهم فهم الرسالة جيدا للحفاظ على أرواحهم بالانزواء أو مغادرة الساحة السياسية لصالح السلطة وأحزابها, حتى وان قادت هذه الاغتيالات إلى التسليم بان هذه السلطة لا تتحكم بمجريات الأحداث وإنها اضعف من فرض هيبة القانون.

 

     من البديهي إن تكون إحدى المهام الرئيسية للدولة, هو في تحملها مسؤولية خلق الاستقرار في البلاد لإجهاض أية محاولة لنشوء معارضة تستثمر حالة اللااستقرار في زيادة قوتها, ولكن عندما تكون مكونات النظام السياسي لاعبا رئيسيا في ارتكاب العديد من هذه الجرائم فانها تتسبب في إفشال الحكومة في تحقيق الاستقرار. وبالنتيجة, فان البيئة السياسية الفوضوية توفر مساحة واسعة لظهور المعارضة القوية, وبالتالي، لا ينبغي لنا أن نفاجأ بأن يكون المعارضون الناشطون هم الأكثر عرضة للاغتيال, مع ما تمنحه الحكومة لمليشيا النخب السياسية الحاكمة شرعية اتخاذ تدابير قمعية لمنع نمو "المعارضة القوية" لحماية النظام السياسي. ولو تمعنا في تأثير الاغتيالات المختلفة، نلحظ إنها قد أحدثت تراجعا مخيفا في الطبيعة الديمقراطية للنظام السياسي, ورفعت من وتيرة العنف المجتمعي وحالة اللااستقرار, وقد يبدو إن اغتيال قادة المعارضة له تأثير محدود على شرعية النظام السياسي في ظل حماية القوى الدولية المؤثرة وتأييدها له، ولكن هذا لا يمنع من أن تؤدي حوادث الاغتيال إلى زيادة الاضطرابات العامة, وهذا واضح من خلال مظاهر الاحتجاج المتنامية المناهضة للنظام السياسي وتأثيرها السلبي في شرعيته.

  

     ثمة نتيجة أخرى تزيد من عمليات التصفيات الجسدية, وهي أن تعدد مراكز القوى ضمن النظام السياسي الواحد يرتبط بعلاقة طردية مع زيادة حوادث الاغتيال, حيث إن تخلي الحكومة عن صلاحياتها كقوة شرعية, وفقدان زمام سيطرتها أمام سطوة المليشيات, يقود الى محاولة كل قوة إزاحة منافسيها عن طريق الاغتيالات لتعزيز نفوذها وتكريس وضعها كحكام شرعيين وحيدين للنظام السياسي, وهذا بالنتيجة يؤدى الى إطلاق يد مليشيات هذه القوى كأفراد فوق القانون, مع كل ما تحويه من قتلة مأجورين وأرباب سوابق ومن العناصر المطلوبة لتنفيذ جرائم الاغتيال والقتل الجنائي.

 

     إن نظاماً سياسياً يفتقر إلى الأخلاق السياسية, ويعد من افسد الأنظمة في العالم. ويستند الى ركائز هشة. من المحتمل أن يكون قابلا للانهيار في أي وقت ما لم يستمر رعاة هذا النظام بتوفير الحماية له بالطرق غير الشرعية وإجهاض سعي المعارضون او الجماعات المضطهدة سياسياً ودينياً واجتماعياً في تنظيم أنفسهم في معارضة قوية, وان احتمال شن الهجمات الغادرة ضد المعارضين يتصاعد يوما بعد آخر. ويمكن العثور على أحد الأمثلة الأكثر وضوحًا لهذه الديناميكية مع ما شهدته البلاد مؤخرا من اغتيالات واعتقالات طالت العديد من الشخصيات المعارضة وشخصيات هامشية أخرى وظف مقتلها لإلهاء الشارع وإبعاد تركيزه عن الأهداف الحقيقية المستهدفة الى ظل الأهداف، وبما أن حالة اللااستقرار السياسي والاضطرابات تميل إلى الظهور بشكل أساسي في أوقات العمليات الانتخابية وتسبق تشكيل الحكومات او بعيد تشكيلها، فلا ينبغي للمرء أن يدهش إلى أن هذه الفترات تتميز بزيادة ملحوظة في العنف المجتمعي وتكون فيها البلاد أكثر عرضة للتصفيات الجسدية.

Khalid.alkhafaji@yahoo.com 

__________________________________________________________________________

التيار الواقعي الامريكي ودوره المضاد لمشروع تقسيم العراق

 

خالد الخفاجي

 

على عكس تيار المحافظين المتشدد الداعم لتقسيم العراق وحث الاقليم الى اتخاذ مواقف متضادة مع مواقف بغداد ودائما ما تفضي الى خلق الازمات ثم المواجهة المسلحة كما حدث في استعادة القوات العراقية للمناطق المتجاوز عليها، يستند التيار السياسي الواقعي المتغلغل داخل الأوساط السياسية والأكاديمية الأمريكية إلى حجج منطقية في أبعاد المصلحة الجيوسياسية للولايات المتحدة في المنطقة، حيث يرفض أنصاره عملية تفتيت العراق وانشاء دولة كردية, ويرون انه الوقت الانسب لمحاربة الارهاب وليس تأجيج المزيد من الازمات في المنطقة، متسلحين بجملة من الحجج والبراهين وهي كالاتي:

 

1- أولوية الحرب الأمريكية على تنظيم داعش: فقد يؤثر دعم استقلال الإقليم في الوقت الحالي سلبيًّا على مسار الحرب التي تقودها الولايات المتحدة على تنظيم داعش، وهي حرب تُعد أولوية قصوى وفقًا لاستراتيجية الأمن القومي الأمريكي الصادرة في عام 2015.

 

وقد يتسبب استقلال إقليم كردستان العراق، وفقًا لبيان للبيت الأبيض في 15 سبتمبر 2017، في تشتيت "الانتباه عن الجهود الرامية إلى هزيمة داعش، وتحقيق الاستقرار في المناطق المحررة"، و"استفزازًا خاصًّا وزعزعة للاستقرار" في المناطق المتنازع عليها، لكونه يفتح الباب أمام استثارة القوى صاحبة النفوذ في تلك المنطقة (مثل: العراق، وتركيا، وإيران). وهو الأمر الذي أكده مبعوث الرئيس الأمريكي الخاص لمكافحة تنظيم داعش "بريت ماكغورك"، في مؤتمر صحفي عُقد في أربيل في منتصف سبتمبر الماضي، حيث وصف فيه الاستفتاء بأنه "محفوف بالمخاطر"، ولا يوجد دعم دولي له. هذا، بالإضافة إلى أن هناك أولويات أخرى تُعد أكثر إلحاحًا على الأجندة الأمريكية من استفتاء كردستان، مثل: الأزمة مع كوريا الشمالية، والموقف من الاتفاق الإيراني، والخلافات الخليجية، وهو ما يعني أن أزمة الأكراد يُمكنها الانتظار أو التأجيل على الأقل في الوقت الحالي من وجهة النظر الأمريكية.

 

2- خسارة الحليف العراقي: إذ قد يؤدي تقديم الدعم لانفصال الإقليم إلى تهديد العلاقات بين واشنطن وبغداد التي ترفض استقلال الإقليم، والقلق من أن يستثير الانفصال المزيد من الانفصالات الطائفية في العراق.

 

ولهذا تدرك الإدارة الأمريكية أن استعداء حكومة العراق يعني احتمالية خسارة حليف مهم في الحرب على تنظيم داعش، ما قد يدفع العراق بعيدًا عن الولايات المتحدة لصالح مزيد من التقارب مع إيران، في وقت تحاول فيه الأولى احتواء نفوذ الأخيرة في المنطقة.

 

3- تقوية نفوذ إيران في العراق: تدرك الولايات المتحدة الأمريكية أن دعم استقلال الأكراد قد يتسبب في رد فعل عدائي من قبل إيران التي ترى في استقلال الإقليم تهديدًا لوحدة أراضيها، ومحفزًا لنزعة انفصالية لدى ما يقرب من 6ملايين كردي على أراضيها.

 

وفي ظل حقيقة النفوذ المتنامي للفصائل الشيعية المسلحة المدعومة من إيران في العراق، والتي صارت جزءًا رسميًّا من قوات الأمن العراقية, فإن دعم انشاء دولة كردستان قد يدفع إيران لاتخاذ رد فعل عدائي ضد المصالح الامريكية في العراق، بخطاب مدافع عن وحدة العراق، ومغذٍّ لمشاعر الكراهية ضد الولايات المتحدة كقوة عظمى تتحمل مسؤولية تفتيت العراق إلى دويلات. وقد يَلقَى هذا الخطاب منطقًا ورواجًا ليس في العراق فحسب، بل في مناطق أخرى من العالم العربي.

 

4- زيادة حدة التوترات مع تركيا والتأثير على حلف الناتو: لم تدعم الولايات المتحدة استقلال إقليم كردستان حتى لا يمثل ذلك مدخلًا لتصاعد حدة التوتر القائم بالفعل بين واشنطن وأنقرة الحليف القوي لحلف شمال الأطلسي. فتركيا تخشى أن يكون استقلال أكراد العراق محفزًا لانفصال أكرادها، وهي المخاوف التي مثّلت أبرز حيثيات انخراطها العسكري في النزاع السوري بغية عزل المناطق الكردية داخلها عن مناطق تمركز الأكراد في سوريا، وكانت محفزًا كذلك لإعادة شن حرب شاملة تستهدف أكراد الداخل التركي.

 

بعبارة أخرى، قد يدفع دعم الولايات المتحدة لاستقلال كردستان العراق تركيا إلى ردود فعل عدائية، وأن تنأى بنفسها بعيدًا عن العالم الغربي وحلف الناتو لصالح المزيد من التقارب مع خصومه، لا سيما روسيا وايران، في ظل مستقبل يتسم بالهشاشة وعدم اليقين للنظام دولي.


 

العراق في مرحلة الخطر ...

 

خالد الخفاجي

Khalid.alkafaji@yahoo.com

 

البنك الدولي اطلق تحذيرا متاخرا جدا عن دخول العراق حالة الخطر نتيجة تراكم ديونه التي بلغت اكثر من "124" مليار دولار وهي في حالة زيادة, ومن المتوقع ان تبلغ العام القادم مايزيد عن "140" مليار دولار.

تأخر البنك الدولي عن اعلان حالة الخطر اسبابه معروفة, فهو مؤسسة استثمارية تستثمر فائض نقدها بخلق الديون, واعلان الخطر المبكر ربما كان سيحث الحكومة العراقية على خفض نسبة اقتراضها بتقشف القطاعات الخدمية والاجتماعية, فالعراق كان يقترض حتى عندما كانت موازناته انفجارية واكبر من طاقة الحكومات على الصرف, وكان من المفترض ان تعلن قبل عام حينما بلغ حجم الديون الى الناتج المحلي 70%, فيما تبلغ مرحلة الخطر للدين العام نسبة 60% من حجم الناتج القومي للدولة٭.

لقد بلغ حجم الناتج القومي للعراق عام 2016 "171.489" مليار دولار, حسب تقديرات البنك الدولي, وهو رقم ضعيف للغاية يدل على تعطل الانتاج وعوامل خلق الثروة, مع تقديرات متشائمة بركود اقتصادي نتيجة التقشف الحكومي لهذا العام بنسبة "6.7%", وهذا ما سيزيد الخطر بنسبة عالية جدا نتيجة عجز الموازنة التي سدت بالقروض وادت الى زيادة الدين العام وحالة الركود الاقتصادي التي اثرت سلبا على حجم الناتج القومي لهذا العام.

كان يمكن للدين العام أن يكون ذا تأثير إيجابي لو تصرفت الحكومات المتتالية بحكمة مع هذه الاموال من خلال الحصول على أموال إضافية للإستثمار وترسيخ مقومات التنمية الاقتصادية, والدين العام هو وسيلة آمنة لرؤوس الاموال الاجنبية والمحلية للإستثمار ونمو البلاد عن طريق شراء السندات الحكومية.

كما يجذب الدين العام المستثمرين الذين لديهم نفور من المخاطر بما أنه مدعوم من قبل الحكومة نفسها فعندما يتم إستخدام الدين العام بشكل صحيح هذا له تأثير إيجابي على المستوى المعيشي للبلاد, وذلك لأنه يسمح بنشوء مشاريع استثمارية في البلاد لتطوير البنى التحتية وغيرها... وهذا ما يشجع المستثمرين على الإنفاق عوضاً عن الادخار ويعزز النمو الاقتصادي.

ولكن الخطر المحدق في الديون العراقية هو انها لا تستخدم في الاستثمار الانتاجي وفق خطط تنموية فاعلة تساهم في رفد الاقتصاد الوطني , وانما يكون الاقتراض لتوزيع رواتب القطاع العام ولخلق حالة من الترف الفاحش للنخبة السياسية, وهذا ما سيجعل الحكومة العراقية مدمنة على الاقتراض بفوائد عالية وشروط مجحفة وستزداد الديون والفوائد الى الدرجة التي سيعجز فيها العراق عن سداد الديون وستضع فيها المؤسسات المالية العالمية الدائنة يدها على مقدرات الدولة, وسيدفع المواطن البسيط فاتورة ترف وفساد حكامه.

٭ الناتج القومي: هو مجموع القيمة النقدية للسلع والخدمات التي تنتجها الدولة خلال عام واحد.



 

الاستعانة بالمرتزقة ... تكريس لمفهوم الدولة الفاشلة وقراءة خاطئة لمجريات الصراع الاقليمي 

 

خالد الخفاجي

Khalid.alkhafaji@yahoo.com

 

    ارتبط مفهوم الدولة منذ الأزل بوظيفة الأمن، فهي الجهة الوحيدة التي تحتكر حق استخدام القوة بما تمتلكه من سلطة شرعية لتحييد أي قوة خارج نطاق الدولة، وإذا ما امتلك أي طرف آخر أدوات القوة نيابة عنها, فان كيان الدولة يكون قد انتفت الحاجة إليه, وتلاشت سلطتها وﺁلت إلى الفشل, ويوما بعد ﺁخر تتنازل الحكومة العراقية عن حقها في احتكار القوة لصالح قوى بديلة خارجة عن القانون أو لا يمكن إنفاذ القوانين العراقية بحقها, لتثبت إن تصدرها لقائمة الدول الفاشلة جاء عن جدارة واستحقاق ولم يأتي اعتباطا.

 

    موافقة رئيس الوزراء "حيدر ألعبادي" بالتعاقد مع شركة عسكرية أمريكية خاصة لتامين الطريق الاستراتيجي الرابط بين (الكويت- العراق- سوريا/الأردن), خطوة تنم عن فشل الدولة في حماية أراضيها وعدم قدرتها على اتخاذ القرارات السيادية المتعلقة بأمنها الوطني والرضوخ لرغبة سيد البيت الأبيض "ترامب" في إنعاش اقتصاد بلاده على حساب الاقتصاد العراقي المنهك والغارق بالديون, وقراءة سيئة لمجريات الأحداث المحلية والإقليمية وارتباط السيطرة على هذا الطريق بإدامة الصراع في سوريا, وما ينتج عن ذلك من تأجيج الصراع بين إيران وأمريكا وتحويل العراق المتخم بالمليشيات المسلحة إلى ساحة لتصفية الحسابات بين حلفاءهما المحليين, وفوق هذا, فان "ألعبادي" وهو المسؤول الأول في البلاد لم يراعي متطلبات الأمن الوطني ولا امن الفرد العراقي, وأعاد ثانية هذه الشركات الإجرامية المحصنة ضد الملاحقات القانونية الدولية والغير خاضعة للقوانين العراقية ليكون المواطن العراقي الذي خبر إجرام هذه الشركات بحقه جيدا تحت رحمة مرتزقتها.

 

    عمليا تعد الشركات العسكرية الخاصة من الصنوف الساندة للجيش الأمريكي, وغالبا ما تنوب عنه في تنفيذ مهامه في مناطق الصراع في العالم, ويشير سجل هذه الشركات إلى تاريخ اسود حافل بالإجرام, فهي تعتاش على نشر الرعب وإشعال الفتن، وافتعال الاضطرابات والحروب الأهلية, والقتال المباشر في الحروب المعلنة وفي الحروب الخفية التي تتطلب خرقا للقوانين, كالقيام بالانقلابات العسكرية والاغتيالات وزراعة العبوات الناسفة والمفخخات والخطف ونقل الأسلحة والمعدات العسكرية إلى بؤر الصراع المختلفة, وقيادة وتدريب المجاميع الإرهابية المحلية وتأجيج النزاعات العرقية والطائفية لإضعاف الدول وتدمير مقوماتها, لذلك فان الهدف من فرض هذه الشركات يكمن في محاولة السيطرة على الطريق الاستراتيجي المهم الرابط بين القواعد الأمريكية في الكويت وبين سوريا/الأردن, وإيجاد ممر امن جديد يربط بين هذه القواعد وحلفاءها من الفصائل المسلحة في المناطق الغربية من سوريا أولا, وقطع الطريق أمام غريمها الإيراني من إمداد الحكومة السورية بالسلاح والمقاتلين ثانيا, وهنا يكون ألعبادي قد ارتكب خطأً مركبا, فهو إن تمكن من منع الإيرانيين من استخدام الأراضي العراقية كمعبر لمرور الدعم الإيراني إلى سوريا, فبالتأكيد بتسليمه الطريق لشركة عسكرية أمريكية لن يكون قادراً على منع الأمريكان من استخدام الأراضي العراقية لدعم حلفاءها من الفصائل السورية المسلحة, ويكون قد انحاز إلى طرف على حساب طرف آخر من أطراف الصراع, ورضخ لتبني الأهداف الأمريكية في إسقاط النظام أو استمرار الحرب الأهلية إلى ابعد مدى على الأقل, وهذا عكس ما يتطلبه تحقيق الأمن الوطني العراقي وارتباط الاستقرار في العراق باستقرار الوضع في سوريا لتداخل الصراع وتشابكه بين البلدين.

 

    لقد فشلت الحكومات العراقية المتعاقبة في بناء قوات أمنية عراقية قادرة على حماية الأمن الوطني, وكان الفشل هو نتيجة طبيعية لإخفاقها في القيام بأبسط واجباتها, وعجزها عن وضع الخطط والاستراتيجيات الكفيلة بالنهوض السياسي والاقتصادي رغم الوفرة المالية الهائلة التي تضمنتها موازناتها العامة, وتسبب هذا الفشل في انخفاض المستوى المعيشي للفرد وتفشي البطالة. لم تجد الحكومة ضيرا من استخدام المؤسسة العسكرية كوسيلة لامتصاص البطالة الظاهرة وتحويلها إلى بطالة مقنعة, فنشأت علاقة عكسية بين عدد الأفراد وبين كفاءتهم (تضخم هائل في القوة البشرية مع انخفاض هائل في مستوى التدريب والتجهيز وانعدام الإرادة القتالية للأفراد), ناهيك عن الفساد والتسيب الذي ضرب بأطنابه كل أركان المؤسسة العسكرية, ومع هذا, فلا يمكن تبرير هذا الفشل بتبني حلولا فاشلة أخرى بتحويل جزء من مسؤوليات الدولة الأمنية والعسكرية المهمة والحساسة إلى الشركات الأجنبية الخاصة.

 

    لا يمكن الوثوق بالشركات العسكرية الخاصة مطلقا لتحقيق الأمن, فالشائع عن طبيعة عمل هذه الشركات العسكرية إنها تسعى لجذب الشباب  العاطل عن العمل لرخص أجورهم مقارنة بما يتقاضاه أفرادها الأجانب, وتجنيدهم أمام المغريات المادية الهائلة كجواسيس لتنفيذ أعمالها القذرة وخلخلة الأمن لإدامة تعاقداتها, وربما سيتسلل إليها الإرهابيون والمجرمون للاستفادة من إمكانياتها وحصانتها لارتكاب أعمالهم الإرهابية والجنائية, والانتساب إلى هذه الشركات لا يتطلب إبراز شهادة حسن السيرة والسلوك, فجُلَ أفرادها من المقاتلين السابقين وأرباب السوابق والشواذ والمنحرفين, وسيستنزف المال العام في التعاقدات مع هذه الشركات, بدلا من استخدام هذه الأموال في إعادة تأهيل وغربلة ما يزيد على المليون ونصف المليون مقاتل في وزارات الدفاع والداخلية وغيرها من الفصائل المسلحة الساندة للحكومة العراقية, اخفقوا في حماية الأمن الوطني واخفقوا حتى في حماية أنفسهم, ولا يعرف ما سيكون دورهم المستقبلي أمام الفشل المتراكم في الأداء وحجم التخصيصات المالية الهائل الذي يعادل ربع الموازنات العامة سنويا, وسيشهد العراق المزيد من الاختلالات الأمنية, بتسهيل من هؤلاء المرتزقة, كما تحدث تقرير لوكالة الاسيوشييتد بريس بداية هذا الشهر عن تحقيق أجراه محققو شركة Sallyport Global الأمنية التي قبضت 700 مليون دولار لتأمين قاعدة بلد الجوية عن تسهيل حراسها الأمنيين لعملية سرقة ثلاث مولدات ضخمة ورافعة بارتفاع 60 قدما تزيد قيمتها عن المليون دولار من داخل القاعدة, وكشف التحقيق أيضا عن انخراط عناصر الشركة في ممارسة البغاء وتهريب المشروبات الكحولية بكميات تجارية, فكانت إجراءات الشركة هي إخفاء نتائج التحقيق وإنهاء خدمات المحققين وطردهم من العراق.

 

    الشارع العراقي رافض لفكرة عودة الشركات العسكرية الخاصة من الأساس, وربما تكون حادثة مقتل 10 جنود عراقيين وإصابة 20 آخرين في 24/4 على هذا الطريق أثناء عودتهم إلى مدنهم لتمتعهم بإجازاتهم, وخطف 7 آخرين في هجوم آخر في نفس اليوم وعلى نفس الطريق وحوادث أخرى سيشهدها هذا الطريق ليست بمعزل عن مخطط السيطرة عليه, وسيجد أصحاب (القلوب الرحيمة) من الساسة تبريرا منطقيا لسحب القوات الأمنية من هذا الطريق للحفاظ على أرواحهم وتسليمه لمرتزقة الشركات العسكرية ...

 

رئيس الرابطة الوطنية للمحللين السياسيين/العراق

info@raialyoum.com




 

طائرات تقتل طياريها, والخلل الفني يحطم أقوى الطائرات..هل هو فساد أم تخريب ؟

 

 

خالد الخفاجي

Khalid.alkhafaji@yahoo.com

 

تحطم طائرة التدريب "لاستا 95" يوم 16 من الشهر الحالي في جنوب العراق لفت الانتباه إلى سلسلة حوادث تحطم الطائرات العسكرية العراقية نتيجة "الخلل الفني", وبدأت ألشكوك تنتاب المتتبع لهذه الحوادث باعتبار (الخلل الفني) الناتج عن تعاقدات فاسدة لطائرات غير مطابقة للمواصفات القياسية, وإهمال عنصري الصيانة والإدامة والأخطاء البشرية كلها ستاراً للأيدي الخفية المنهمكة في تدمير قدرات الدولة العسكرية والاقتصادية بتعمد وقصد, وبات كشف ملابسات هذه الحوادث أمرا ملحاً, ليس بسبب حجم الأموال التي اختلست في هذه التعاقدات وحسب, وإنما لحفظ امن البلاد وأرواح الطيارين الذين يُعد إعدادهم من أصعب المهام بعد إعداد رواد الفضاء, وبات إقلاعهم بهذه الطائرات أشبه بإقلاع الكاميكازي الياباني, إقلاع لا عودة فيه.

 

عقود الفساد

توافقت تعاقدات تجهيز الطائرات مع رخاء اقتصادي وموازنات انفجارية هائلة في ولايتي رئيس الوزراء السابق "نوري المالكي" تسابق فيها المتعاقدون إلى إهدار المال العام دون وازع من ضمير, وشاب معظمها فساد منظور ومسكوت عليه, في دولة يعد فيها اختلاس المال العام الوظيفة الوحيدة التي تجيدها أحزابها, فاغلب التعاقدات كانت من مناشئ رديئة, ومن دول ليس لها باع طويل في صناعة الطائرات المتطورة ولا يتناسب مع حجم التحديات التي يواجهها العراق, وبالغ المتعاقدون للتعاقد على طائرات تدريب ابتدائي تستخدم لتدريب الهواة في أندية الطيران المدنية, أو لجيوش الدول المعدمة بدلا من شراء طائرات التدريب الأساسي النفاثة من المناشئ الرصينة, وسبق لوزير الدفاع المقال "خالد ألعبيدي" وأكد من إن الطائرات التي استوردت من 11 دولة مقابل مليارات الدولارات, كانت إما فاسدة لا تصلح للخدمة، أو من طرز لا يُستفاد منها..

 

من التعاقدات المشبوهة التي نعيد التذكير بها بعد انقشاع الهالة الإعلامية الحكومية وقدمتها على إنها الأرقى والأحدث كل من يقف ضدها داعشي لا يريد للعراق أن ينتصر في حربه ضد الإرهاب, عقد طائرات التدريب التشيكية نوع "L-159".  ومما ذكرته صحيفة الايكونومك التشيكية عن طائرات "L-159"، قالت إن (الجيش التشيكي اشترى من شركة "ايرو فودوخودي" 72 طائرة نوع "L-159" القتالية الأقل من سرعة الصوت، استخدم ثلثها وظلت البقية جاثمة دون استخدام"، وحاول الجيش التشيكي بيع 28 طائرة غير مستخدمة من طراز L-159 لمؤسسة طيران أميركية, لكن العقد الغي لأسباب تقنية في مواصفات الطائرات), ثم حاولت الحكومة العراقية شراءها بعقد خيالي بلغت قيمته مليار وأربعة ملايين دولار, ولكن الشركة أعلنت في الـ"24 أيار 2013" عن تعثر مفاوضاتها مع الحكومة العراقية. الشركة ادعت بسبب منافسة طائرة "FA50" الكورية الجنوبية, ولكن البسبب الحقيقي كان سقوط إحدى الطائرات أثناء اختبارها ومقتل طيارها التشيكي.

في 15/4/2014 عادت الحكومة العراقية ثانية للتعاقد على شراء هذه الطائرات, وأعلن المتحدث باسم مجموعة شركات بينتا (Penta Investments) للاستثمار التي تعد شركة "ايرو فودوخودي" احد فرعها، في تصريح نقله موقع (IHS Janes) الأمريكي المتخصص باخبار التسليح، إن "وزارة الدفاع العراقية وافقت على شراء 12 طائرة تدريب هجومية خفيفة الوزن تشيكية من طراز (L-159 ALCA) من طائرات الجيش التشيكي التي سبق وان رفض استلامها بقيمة 200 مليون دولار.

هذه الطائرة لا تستخدم الا في جيشين فقط, الجيش التشيكي الذي اقتناها (ربما لتشجيع صناعته الوطنية) ثم اراد التخلص منها, والجيش العراقي الذي سهل للجيش التشيكي مهمة التخلص من طائراته البائرة.

 

أما صفقة الطائرات الكورية الجنوبية, فقد تعاقدت الحكومة العراقية بتاريخ 12‏ كانون الأول 2013 على شراء 24 طائرة تدريب وقتالية حديثة أسرع من الصوت نوع "FA50", ونص الاتفاق على وصول الطائرات في شهر آذار من عام 2016, ورغم تأخر الشركة بالوفاء بتعهداتها وتأخر التجهيز عن مواعيده, إلا إن القواعد الجوية العراقية لم تؤهل لاستقبالها, وهذا السباق المحموم على التعاقدات دون تخطيط كلف العراق 5 ملايين دولار شهريا يدفعها عن غرامات “أرضية” لصالح الشركة الكورية.

ومع كلفة هذه الطائرات الباهظة مقارنة مع قيمتها الحقيقية وتعاقدات الدول الأخرى, وقيمة الغرامات الغير مبررة التي دفعتها الحكومة العراقية عن طيب خاطر فإنها تحوي أيضا على رادارات إسرائيلية, ادعى المسؤولين العراقيين أنهم ابلغوا الشركة لتزويدها برادار أمريكي صناعة شركة "لوكهيد", ولكن صحيفة معاريف الإسرائيلية الصادرة يوم 19 آذار/مارس 2017 أشارت إلى أن الطائرات التي تعاقد عليها العراق مزودة برادار نوع ELTA EL/M-2032 من تصنيع شركة ألتا للصناعات الجوية "الإسرائيلية" !

هذه الطائرة قيمتها وقت التعاقد وبحسب موقع الشركة يبلغ 21 مليون دولار, تعاقد العراق على 24 طائرة بمبلغ مليار ومئتي مليون دولار, أي بقيمة تبلغ 50 مليون دولار للطائرة الواحدة !

 

وإمعانا في الفساد الذي لا يكتفي بالرشا والعمولات والاختلاسات إلى ما هو ابعد والتعاقد على طائرات تقتل طياريها, فقد تعاقدت الحكومة العراقية على طائرات (LASTA 95 ) المصنعة في مصنع UTVA بمدينة بنشافو الصربية, وهذه الطائرة دخلت الخدمة عام 2010, ثم أوقف العمل بها عام 2012 اثر تحطم طائرة ومقتل طيارها أثناء اختبارها بسبب عيوب في التصميم قبل تسليمها للجيش الصربي, ثم تحطمت طائرة أخرى من نفس النوع عند الاختبار ألمصنعي النهائي، وقتل أحد الطيارين وأصيب الأخر بجروح بالغة عند محاولتهم القفز من الطائرة، والسبب تجمد في الدفة الرأسية, ثم استؤنف العمل بها مجددا عام 2013.  

هذه الطائرات من النوعيات الرديئة جداً وتفتقر لأبسط معايير القياسات النوعية المتبعة في صناعة الطائرات وسريعة الأعطاب, ولا تحتوي على مواصفات السلامة المعتمدة في الطائرات الحديثة، مثل كرسي القذف, ولا على منظومة تبريد في ظل أجواء العراق الحارة، ولا منظومة إطفاء الحريق, وتم التعاقد عليها دون عرضها على خبراء التقييس النوعي كما هو متبع قبل إستيرادها.

هذه الطائرة لا تخدم إلا في دولة المنشأ والعراق فقط.

تبلغ كلفة الطائرة الواحدة 300 ألف دولار أمريكي, تعاقدت الحكومة العراقية على 20 طائرة منها بكلفة 750 ألف دولار للطائرة الواحدة.

 

وكارثتنا تكتمل مع طائرات "F 16" الأمريكية المتطورة جدا, فهي نسخة استعراضية لا تحمل من مواصفات الطائرة الحقيقية إلا اسمها, وأثناء الاستلام والطيران الاختباري تحطمت إحدى الطائرات في قاعدة "ايريزونا" لخلل فني, وتعطل كرسي القذف عن العمل أيضا وقتل طيارها العراقي المتمرس الذي كان يحمل رتبة عميد, ثم استلم العراق العديد من هذه الطائرات الغير ملائمة لظروف المعركة (القتال الجوي مثلا) وبعضها معطل من المنشأ, مع اشتراطات أمريكية بان تكون هي المسؤول الأول والأخير عن تحديد المهام والأهداف وحتى الطيارين هي من تختارهم.  

قيمة عقد صفقة الطائرات 4.5 مليار دولار لـ 36 طائرة بسعر 64 مليون دولار للطائرة الواحدة, وما تبقى من المبلغ والبالغ 2.3 مليار دولار هو لتأهيل القواعد الجوية الموجودة أصلا بمستلزمات لا تتجاوز قيمتها عن الـ 150 مليون دولار.

  

"الخلل الفني" السلاح الخفي

بديهيا تعزى أسباب سقوط وتحطم الطائرات إلى أسباب تقنية وفنية, كرداءة المواصفات القياسية للطائرة, أو ضعف الصيانة والإدامة, أو أسباب بشرية (الطيارون), وهذه الأسباب شكلت كارثة حقيقية من عدد الطائرات المحطمة.

 وفي إحصائية لعدد الطائرات المحطمة نتيجة الخلل الفني, ومن خلال رصدنا لما نشر في سائل الإعلام فقط, نورد الحوادث التالية:

  • في 20 ابريل/نيسان 2013 سقطت مروحية عسكرية روسية الصنع قادمة من عملية عسكرية في منطقة الثرثار, قرب من قاعدة الحبانية وإصابة طاقمها المكون من أربع أشخاص بجراح خطيرة.
  • في 2 أكتوبر/تموز 2013 أعلنت وزارة الداخلية العراقية، عن سقوط طائرة روسية الصنع ومقتل طاقمها في صلاح الدين نتيجة خلل فني في محركها، اثناء مشاركتها في عملية عسكرية في قضاء بيجي.
  • في 8 يناير/كانون الثاني 2014 أعلن مكتب القائد العام للقوات المسلحة العراقية نوري المالكي عن سقوط طائرة مروحية روسية الصنع في محافظة الأنبار غربي العراق نتيجة خلل فني ما أدى إلى مقتل طاقمها المؤلف من أربعة أفراد.
  • في 22 فبراير/شباط 2014 تحطم طائرة مروحية روسية الصنع بسبب خلل فني قرب قضاء أبو غريب غربي العاصمة بغداد ومقتل قائدها وجنديين آخرين.
  • في 15 أبريل/نيسان 2014 تحطم طائرة مروحية روسية الصنع كانت تقل قائد عمليات الجزيرة والبادية الفريق الركن حسن كريم خضير غربي الأنبار، وأدى الحادث إلى مقتل قائد العمليات وضابطين، أحدهما قائد سرية، إضافة إلى طاقم الطائرة المكون من طيارين، نتيجة خلل فني.
  • في 7 أغسطس/آب 2014 تحطم طائرة هيلكوبتر من طراز MI 17 روسية الصنع نتيجة خلل فني في قاعدة بلد الجوية، ما أدى إلى مقتل طاقمها المكون من ضابط برتبة عميد وآخر برتبة ملازم.
  • في 12 أغسطس/آب 2014 سقوط مروحية روسية من نوع MI 17 روسية الصنع أثناء تقديم معونات إنسانية للمواطنين في جبل سنجار نتيجة الحمولة الزائدة، ومقتل قائدها.
  • في 28 حزيران 2015 هوت إلى الأرض مروحية (لم يذكر نوعها) تابعة لطيران الجيش العراقي شمال تكريت مركز محافظة صلاح الدين نتيجة خلل فني, وتم إنقاذ طاقمها وتدميرها على الأرض لمنع سقوطها بيد داعش.
  • في 16 فبراير/شباط 2016 تحطمت مروحية نوع MI 17 روسية الصنع كانت قادمة من قاعدة الشعبية بمحافظة البصرة في طريقها إلى بغداد وهوت في منطقة الشويجة شمال شرق الكوت في محافظة واسط ومقتل 9 ضباط على متنها, نتيجة خلل فني.
  • في 18 فبراير/شباط 2016 أعلنت خلية الإعلام الحربي عن سقوط مروحية (لم يذكر نوعها) تابعة لطيران الجيش العراقي في منطقة “أدعيج” في عامرية الفلوجة، نتيجة خلل فني أدى إلى ارتطامها في الأرض ومقتل طياريها.
  • في 16 مارس/آذار 2016 سقوط طائرة استطلاع طائرة نوع "سيسنا 208 كارفان" أمريكية الصنع وفقدان طاقمها المكون من ثلاثة طيارين نتيجة خلل فني.
  • في 4 ابريل/نيسان 2016 تحطمت طائرة مروحية نوع MI35 روسية الصنع أقلعت من قاعدة الكوت الجوية وهوت في منطقة قريبة من المدينة فارتطمت في الأرض واحترقت ونجا طاقهما إلا من إصابات طفيفة.
  • في 6 يوليو/تموز 2016 علقت قنبلة في احدى طائرتي تشكيل نوع سوخوي روسية الصنع, كانت في مهمة لضرب أهداف "داعش" نتيجة الخلل الفني, وبعد عودة التشكيل إلى قاعدته سقطت القنبلة على احد الأحياء السكنية القريبة من القاعدة, وأدى الحادث إلى مقتل وإصابة العشرات من المواطنين وتدمير منازلهم.
  • في 8 أغسطس/آب 2016 تحطم طائرة مروحية عسكرية روسية الصنع ومقتل طاقمها.
  • في 10 أغسطس/آب 2016 تحطم طائرة مروحية روسية الصنع كانت في مهمة استطلاعية لمراقبةِ النزاعات العشائرية في جنوب ميسان سَقطت في نهر، ما أسفر عن إصابة طاقمِها المكون من تسعةِ طيارين بجروح مختلفة.
  • في 29 أكتوبر/تشرين الأول 2016 سقطت مروحية من طراز "M 28" روسية الصنع عائدة من واجب في عمليات نينوى قرب "مكيشيفة"، حيث أشار المصدر إلى مقتل طاقم الطائرة المكون من الطيار ومساعده.
  • في 4 يناير/كانون الثاني 2017 تحطمت مروحية من طراز مي 35 (صياد الليل) روسية الصنع لتحليقها المنخفض وارتطامها بعمود الكهرباء !.
  • وأخيرا وليس آخرا سقوط طائرة "لاستا 95" في قاعدة الإمام علي جنوب العراق وإصابة طاقمها المكون من طيارين نتيجة خلل فني.

 

وربما هناك المزيد من حوادث تحطم الطائرات حدثت بعيدا عن الأعين وظلت طي الكتمان, ومما يلحظ إن معظم الحوادث هي لطائرات روسية حديثة الصنع, معروفة بقوتها ومتانتها, وأثبتت فاعليتها القتالية في العراق وسوريا, وهذا يولد الشكوك بان جهة متنفذة غرست عملاءها وحددت مهامهم في إحداث التخريب لاحتكار عقود التسليح والتحكم بأمن العراق الوطني من خلال التحكم بتسليحه, وإبقاءه ضعيف غير قادر على الدفاع عن أمنه الوطني إلا باستجداء التدخل الخارجي, وهذا ما يجري الآن من عودة تدفق القوات الأمريكية إلى العراق لمساندته في حربه ضد "داعش", وفي علم الجريمة هناك قاعدة تقول "إن لم تجد الدليل على المجرم فابحث عن المستفيد".

لقد كان على "العبادي" في زيارته الأخيرة إلى "واشنطن", تقديم الإيضاحات للمستفيد "ترامب" حول صفقة السلاح الصينية البالغة ملياري دولار التي أزعجت سيد البيت الأبيض, وربما سيكون "الخلل الفني" متربصا بهذه الصفقة وأي صفقة سلاح أخرى تصل العراق من خارج المصانع الأمريكية أو مصانع حلفاءها, كما يحدث مع الطائرات الروسية ... سيستمر استنزاف المال العام في عقودٍ فاسدة, وستستمر كوارث تحطم الطائرات ومصرع طياريها, وليست هناك بارقة أمل ولو ضئيلة لفتح ملفات التخريب المتعمد وسوق الجناة إلى العدالة بجريمة الخيانة العظمى, فهذه الجريمة تتقنع دائما بالفساد, والفساد محمي وضلوع كل أركان الدولة فيه ولا يمكن التقرب منه.

اقتصاد

اقتصاد السوق وإجراءات معالجة التباين الطبقي

 

خالد الخفاجي

 

   كان للتحول الاقتصادي الفوضوي والغير مدروس في العراق بعد عام (2003) أثره البالغ في ارتفاع حدة الفقر وارتفاع مستوى التباين الطبقي بين أفراد المجتمع, فقد كان تحولا عشوائيا ودون دراسة معمقة لوضع آلية للانتقال التدريجي من النظام الاشتراكي الى النظام الرأسمالي, ومحاولة تجنيب الطبقات الفقيرة للتبعات السلبية لهذا التحول.

   ومن المعلوم إن الاقتصاد الحر يقوم على مبدأ عدم التدخل في الأسواق, وان هذا المبدأ يترك أعدادا هائلة من أفراد المجتمع تقع تحت طائلة نظام اقتصادي مفترس, يزداد فيه الغني غنى, والفقير فقرا, ومن اجل معالجة الآثار السيئة لاقتصاد السوق فان هنالك عدة إجراءات فاعلة لمجابهتها, تطبق في جميع الدول الغربية والكثير من الدول النامية التي وضعتها موضع التنفيذ بعد أن شهدت أزمات سياسية وانتفاضات شعبية بالغة الخطورة ومن هذه الاجراءات :

الإجراء الأول : وهو الأكثر شيوعا في الدول الغربية لتقليل الفوارق الطبقية بين أفراد المجتمع, ويقوم على أساس إعادة توزيع الثروات ومعالجة الفقر, عن طريق برامج الضرائب وإعادة توزيع الثروات, ففي الدول الغربية تساعد هذه الإجراءات على إعادة التوزيع القوية للثروات ودورها في تخفيف الآثار الحادة للرأسمالية مثل (الضرائب التصاعدية) والتي غالبا ما يشكو منها الأثرياء في هذه الدول, وإجراءات الأمن الاجتماعي وإعانات العاطلين, والضمان الصحي, ورعاية الأيتام والمسنين, وغيرها من البرامج التي تنشا مع نشوء المشكلة لتطويقها ومعالجتها, أما في الدول النامية فان هنالك تلكؤا واضحا في تطبيق هذه الاجراءات, وان إعادة التوزيع الحقيقي لسياسات الضرائب والتحويل محدودة جدا في هذه الدول, بسبب المزج الحاصل بين السلطة والاقتصاد مما يجعل إن هنالك تداخلا قويا فيما بينهما تؤثر سلبيا على القرارات المتخذة, فالضرائب في الدول النامية تكاد أن تكون (صفر) كما انه من العسير وضع برامج نزيهة لإعادة توزيع الأموال كالتي توجد في أنظمة التوزيع الغربية.

الإجراء الثاني : وهو الإجراء الذي اقترحه العالم الاقتصادي البيروفي (هيرناندو دي سوتو) في منتصف تسعينيات القرن الماضي في كتابه (غموض رأس المال), ويتلخص في إعطاء الفقراء في الدول النامية حقوق ملكية مشروعة قانونا, واقترح بشكل خاص على تحفيز أعمال أكثر شرعية ضمن نظام الملكية الرسمي, وإعطاء المستوطنين ( المتجاوزين على الأملاك العامة) حق الملكية الشرعية بدلا من إخلاءهم وتشريدهم, ويعتقد (دي سوتو) إن إضفاء قدر من (الحق الرسمي) مقترنا باقتصاد السوق يمكن أن يقضي على إحدى المشاكل الرئيسية للفقر بسرعة فائقة وعلى نطاق واسع, وقد أخذت مقترحاته على محمل الجد وتم تأسيس الكثير من المجمعات السكنية في الكثير من الدول وخاصة دول (أميركا اللاتينية) أضفت عليها الصفة الشرعية القانونية ووفق النمط الذي وضعه (دي سوتو), والحقيقة إن هذا المقترح كان قد سبقه اليه الزعيم الراحل (عبدالكريم قاسم) بعشرات السنين, وأزال فيها مخلفات الرأسمالية الملكية التي تركت أعدادا هائلة من الفقراء تسكن العشوائيات, وأعاد ترتيبها وأضفى الصفة القانونية والرسمية عليها.

الإجراء الثالث : يتمثل في اتخاذ إجراءات لمنح الغالبية الفقيرة (سندات تمليك) في مؤسسات الدولة وأسواق رأس المال, خاصة عند البدا بعمليات الخصخصة التي ستولد أعدادا كبيرة من العاطلين, حيث تتم معالجة هذا الوضع بتحويل عوائد الخصخصة ومنح هؤلاء العاطلين والفقراء مجموعة من الأسهم لتكون دخلا ثابتا لإعانتهم على متطلبات الحياة, كما حصل عند التحول الاقتصادي لجمهوريتي (الجيك والسلوفاك) وتحويلهما لعوائد الخصخصة لأفراد الشعب من الفقراء كأسهم وسندات.

   ويعني هذا أن يكون لأعداد كبيرة من الفقراء (أسهما وسندات تمليك) في أسواق رأس المال الخاص في مجتمعاتهم, إن المنافع قد تكون كبيرة جدا على المستويين السياسي والاقتصادي, وهذا سيخلق فرصا متساوية في السوق لتطوير الملكية المشتتة وتشجيعها, وربما لا تحقق مكاسب مهمة في إعانة الفقراء فحسب, بل في خلق مجتمعا أكثر انفتاحا وديناميكية.

الإجراء الرابع : (برامج العمل الايجابي), وهو الإجراء شيوعا والأكثر جدلا واعتراضا من قبل المؤسسات الرأسمالية, وتنطوي على تدخل الحكومة المباشر على الأسواق وتصحيح الاختلالات الحاصلة في توزيع الثروات, ودعم الطبقات الفقيرة دعما مباشرا أو غير مباشر من خلال دعم الأسعار ودعم مشاريع الأفراد لخلق فرص العمل وإنشاء منظومة واسعة من منظمات المجتمع المدني التي تأخذ على عاتقها تقديم الدعم اللازم للطبقات الفقيرة, وتعد هذه البرامج مثار اعتراض الولايات المتحدة الشديد عليها, وتطبق هذه البرامج على نطاق واسع في كل من (ألمانيا, اليابان, الدول الاسكندنافية, كندا, استراليا, ماليزيا, كوريا الجنوبية).

   وإذا ما وضعنا المسائل المتعلقة بالاقتصاد الحر وقوانينه جانبا, فان وضعا تعيش فيه الغالبية الكبرى من المواطنين في فقر مدقع, في وقت تسيطر فيه أقلية مهيمنة على معظم ثروات الدولة يشكل في حد ذاته حالة من اللااستقرار السياسي والاقتصادي, خاصة عند اقترانها بتطبيق سريع للديمقراطية هذا من جانب, من جانب آخر فان برامج العمل الايجابي), إذا ما حظيت بموافقة الغالبية العظمى من السكان, فإنها تمثل شكلا من أشكال الديمقراطية, وعليه فان هذه المحصلة بالغة الحرج بالنسبة لخبراء (صندوق النقد الدولي) أو للساسة الاميركان من التدخل باسم الاقتصاد الحر.

   إن على مخططي الاقتصاد العالمي من خبراء (الصندوق والبنك الدوليين) أو المستشارين الاقتصاديين الأميركيين الذين انتشروا في أرجاء العالم لنشر ديمقراطية الأسواق, أن يتوخوا الحذر في عدم فرض آراءهم السلبية عن التدخل الحكومي و(برامج العمل الايجابي), أو محاولة تطبيق سياسات وفرضها على مجتمعات تختلف تمام الاختلاف مع مجتمعهم.

الشأن المحلي

أربيل – بغداد ودبلوماسية الذئب والحمل

 

خالد الخفاجي

رئيس الرابطة الوطنية للمحللين السياسيين

Khalid.alkhafaji@yahoo.com

 

سأل ذئب مضياف حمل صغير: ألا تشرفني في منزلي لترى جود كرمي ؟

فأجابه الحمل: كان يشرفني تلبية دعوتك, لولا إن منزلك في معدتك.

دعوة اربيل لرئيس حكومة بغداد للاجتماع فيها وفرض ملفاتها دون ملفات بغداد كانت أشبه بدعوة الذئب للحمل ومحاولة التغرير به, فقبل شهور عدة اقترح الأكراد عقد اجتماع لمجلس الوزراء في اربيل ليكون الاجتماع مناسبة لمناقشة الملفات العالقة, ولكن هذا المقترح قوبل برفض المالكي القاطع لاشتداد الأزمات بين اربيل وبغداد وارتفاع سقف المطالب الكردية وعدم قدرته على تلبيتها, وظلت هذه الأزمات تتفاعل على مسرح الأحداث السياسية لتتشعب وتصل حد المواجهة العسكرية في كثير من المواضع بين قوات "البيشمركة" والجيش العراقي معبرة عن حالة الاحتقان الخطيرة بين اربيل وبغداد, وكان لفتح المالكي لجبهات مواجهة عديدة في آن واحد مع الأكراد ومع القائمة العراقية وخلفها عشائر الغربية وحتى مع حلفاءه من مكونات التحالف الوطني وابتعاده كثيرا عن الأطر العامة لمسار العملية السياسية جعله لان يرضخ وربما التنازل بقبول زيارة اربيل لتأتي مكملة للقبل الرمزية التي تبادلها مع غريمه اللدود رئيس مجلس النواب "أسامة النجيفي" بلقاء رمزي.

وكما كان اللقاء الرمزي اسم على مسمى وجاء لإيصال رسالة اطمئنان (حسبما وصف الساسة اللقاء) للجماهير الغاضبة بعد سلسلة  من العمليات الإرهابية الدامية وامتصاص النقمة الجماهيرية, فان اجتماع "أربيل" أيضا كان عرضا مسرحيا للإيحاء بإسدال الستار عن الأزمة بين بغداد واربيل, حيث لم يخرج الاجتماع بشئ ذا قيمة سوى الاتفاق على ما تم الاتفاق عليه سابقا أثناء زيارة البرزاني لبغداد والتأكيد على تفعيل دور اللجان المشتركة لحل المشاكل والقضايا العالقة بينهما, كالمناطق المتنازع عليها وقانون النفط والغاز وعقود الشركات النفطية واستحقاقات الشركات الأجنبية وتعويضات ضحايا حلبجة والأنفال  وتطبيق "المادة 140" وموازنة قوات البيشمركة والمشاكل في الدستور وكالعادة تم الاتفاق على أن يكون الدستور هو الفيصل في حسم جميع المشاكل الحالية والمستقبلية مع إن هاذين الطرفين هما من أكثر الكتل السياسية انتهاكا للدستور.

في اجتماع اربيل فرضت ملفات وأغفلت ملفات خطيرة عديدة لم يتم التطرق إليها لا من بعيد ولا من قريب رغم إنها ملفات متشابكة لا يمكن الفصل بينها أو التعامل بانتقائية معها, منها تحالف اربيل المريب مع قوى إقليمية لا تخفي عدائها للعراق والاندماج معها في تحالف دولي بالضد من مصالح الدولة العراقية يمتد من تركيا إلى قطر ليشمل شخصيات مشبوهة من قوى الرابع عشر من آذار اللبنانية, واتفاق الإقليم مع تركيا باستضافة حزب العمال التركي المصنف دوليا كمنظمة إرهابية بالضد من إرادة حكومة بغداد, والتدخل السلبي في الأزمة السورية.

دبلوماسية الذئب والحمل ومعالجة ما تريده اربيل بمطالب دستورية أو غير دستورية وإغفال ما تريده بغداد يعني إبقاء الأزمات بينهما على حالها دون حل, وربما تكون بداية جديدة لإدارة الصراع بينهما, ويبدو إن إغفال تحالفات أربيل الخارجية مع القوى الإقليمية التي كانت سببا لاحتدام الأزمات وإسقاطها من المحادثات رغم مخاطرها, كونها تشكل امتدادا للتحالفات الإقليمية التي هندستها القوى الدولية الكبرى المؤثرة في المنطقة, وليس من صلاحيات المالكي أو البرزاني الخوض فيها, للإبقاء على هذه التحالفات ومنع اختلال موازين القوى بينها وبين إيران وسوريا وحزب الله اللبناني الذي وجد العراق مرغما على الانقسام حول نفسه ما بين هذا الطرف أو ذاك, وفي ظل حالة الانقسام هذه فمن المستحيل أن نرى إن هنالك حلولا حقيقية للازمات ما بين اربيل وبغداد للتأثيرات الخارجية في رسم وتحديد ملامح العلاقة بينهما, وصناعة المزيد من الأزمات لتكون بمثابة البوابة المشرعة  لولوج القوى الإقليمية إلى العمق العراقي, فليس من المنطقي أن تبادر هذه القوى إلى غلق هذه البوابة, مثلما يكون من المحال تحقيق رغبات أربيل على حساب رغبات بغداد.   

الشأن المحلي

المالكي واستطلاعات المنظمات المشبوهة

 

خالد الخفاجي

Khalid.alkhafaji@yahoo.com

 

غالبا ما تسعى استطلاعات الرأي التي تجريها منظمات خارجية ومراكز بحثية مشبوهة إلى تضليل الرأي العام والتلاعب بعقول المجتمع, وبرمجة وتطويع الجماهير وتوجيهها نحو الأهداف والسياسات السائدة  لضمان تأييد النظام بغض النظر عما إذا كان هذا النظام يعمل لمصلحة المجتمع او ضده, واللجوء الى الاستطلاعات المظللة يبدأ مع تفاقم الأزمات وعند الاستشعار باستيقاظ الجمهور من غفوته بكم هائل من المعلومات, والترويج لأدلة وشواهد لفكرة جاهزة ومعدة تضلل الفهم وتستدرج المجتمع إلى غير الحقيقة، وتحشد إمكانات معرفية كبيرة ومتقدمة لحشر فكرة ما في أذهان الناس وتأكيدها في عقولهم بدهاء وتحت غطاء من الديمقراطية والحياد والموضوعية والحرية الإعلامية والسياسية,, ولا يجد فسحة للتأمل والتفكير والتحليل، وعندما يجد البعض فرصة للتساؤل والشك، فإنهم يتحولون إلى أقلية تفكر عكس التيار وتخالف المجموع العام ويبدون مغفلين ومجانين ولا يفهمون، وقد يضطرون -وهذا ما يحدث غالبا- إلى إخفاء تساؤلاتهم وقناعاتهم بدلا من أن تتولى آلات الإعلام المأجورة نبذهم وحشرهم في الهامش.

والاستطلاع الذي أجراه المعهد الديمقراطي الوطني الأميركي للشؤون الدولية, وهو المعروف بكذبه وتدليسه وطرده من الكثير من الدول وملاحقته قضائيا في مصر الثورة, وروجت له وسائل إعلام وببغاوات المالكي كثيرا عن ارتفاع شعبية المالكي لا يخرج عن كونه محاولة لترويج الوهم في سوق كاسدة, والاحتفاء بشعبية زائفة بحث المالكي عنها كثيرا فوجدها في معهد مشبوه يرأسه "كينيث بولاك" الجاسوس الصهيوني الذي لن يتورع المالكي من توجيه الدعوة له للحضور الى بغداد لنقل صورة واضحة عن طبيعة الحكم للعالم, وها هو يسخر من المالكي باستطلاع كاذب عن تنامي شعبية زائفة انتشى لها المالكي وزمرة المطبلين من حوله كأنها صك الغفران الذي حمله إليهم ملاك من ملائكة الرحمن الصالحين, و"بولاك"هذا هو المدير السابق للجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية "إيباك"، التي تُوصف بأنها أهم وأقوى لوبي صهيوني في الولايات المتحدة، والذي يهدف إلى تحضير جيل جديد من القيادات الداعمة لإسرائيل، وإمداد الكونجرس الأمريكي بالمعلومات التي تدعم إسرائيل بحسب الموقع الرسمي "للإيباك" وهي أقوى جماعة ضغط تتحكم في السياسة الخارجية الأمريكية لصالح إسرائيل, استتر "بولاك" برئاسته المعهد الديمقراطي الوطني وتسلل الى دول الربيع العربي ودول الخليج بصفته هذه وانشأ فيها مراكز ظاهرها نشر الديمقراطية وباطنها هي مراكز لتجنيد العملاء والموالين لإسرائيل ودعمهم وزجهم في معترك الساحة السياسية لتبني السياسات الإسرائيلية, ومن هنا فان شعبية المالكي التي ارتفعت الى 53 % في أوساط "الشيعة الساخطين"  بحسب الاستطلاع الذي عرفهم بأنهم "شريحة المواطنين التي كانت تدعم زعيم التيار الصدري بشكل صريح", وارتفاعها أيضا في بغداد والمحافظات الجنوبية تحديدا مع تراجع شعبية غريمه علاوي ورئيس البرلمان القيادي في القائمة العراقية أسامة النجيفي ... يحمل أكثر من مغزى, وقراءة لما بين السطور نجد ان الاستطلاع سعى الى نفخ اوداج المالكي لابقاءه في وهمه وانجازاته الزائفة لترسيخ حالة الوهن والضعف في أركان الدولة وتنمية أنانيته المفرطة , ومحاولة لإحداث الشرخ لدى أتباع ومؤيدي التيار الصدري ومصادرة ولاءهم لصالح المالكي ومن الغريب ان يدعي الاستطلاع بتنامي شعبية المالكي في المناطق الجنوبية تحديدا وهي التي كانت من أكثر المناطق حنقا عليه لارتفاع مؤشرات الفساد والفقر وانعدام الخدمات فيها وتقرير وزارة التخطيط (خارطة الحرمان والفقر لعام 2011) الذي صدر مؤخرا يثبت ذلك بالأرقام من ارتفاع نسبة السكان لما تحت خط الفقر من (23%) عام (2006) إلى (30%) عام (2011) فيما تصدرت محافظات الجنوب مستوى الفقر والحرمان وهي التي يدعي الاستطلاع ارتفاع شعبية المالكي فيها, فيما اعتبر الاستطلاع أياد علاوي والنجيفي بأنهم أوراق محترقة على ناخبيهم استبدالهم بالمالكي خاصة ان انتخابات مجالس المحافظات على الأبواب ...

إن هذا الاستطلاع ومن هذا المعهد بالذات يؤكد ان المالكي لا يسمع إلا ما يريد هو سماعه, وعلى الآخرين الاستماع لما يسمع, ولا رأي يسود إلا رأيه حتى وان استعان بمعهد الجاسوس الصهيوني "بولاك",... وعلى العراقيين تصديق ما يصدقه المالكي حتى وان كانت حسابات الواقع تدحض حسابات الوهم, أما "بولاك" فانه لن يجد من وسيلة لتدمير العراق أفضل من إدامة بقاء المالكي في الحكم.

الشأن الدولي

أكباش التضحية لأمير شاذ

     

 

الكاتب: خالد الخفاجي   

الأحد, 30 حزيران/يونيو 2013 23:18

 

خالد الخفاجي

 

 

 

ابتدأ أمير قطر الجديد مشواره مع السلطة في التضحية بأكباش ترعرعت وسمنت في حظيرة قطر الخيانية وكان لها دور خطير في زعزعة امن واستقرار المنطقة, فانهمكت وسائل إعلام ومحللين مؤدلجين للتمجيد بالأمير الجديد, وإسباغ نعوت الكياسة والاعتدال عليه, والحديث عن سياسة تصحيحية (لتميم) يصلح فيها ما أفسده سلفه, إلا إن المتتبع للحدث السياسي يدرك جيدا أن قطر لن تتخلى عن دورها كواسطة لتنفيذ المشاريع الصهيو- أميركية وإشغال المنطقة بأزمات مستديمة تتحدد فيها خارطة جيو- سياسية جديدة تكون فيها الغلبة لإسرائيل كقوة إقليمية, حتى وان اظهر (تميم) بوادر التخلي عن أسلحة قطر الفتاكة وأذرعتها الأخطبوطية الضاربة التي عهدتها المنطقة وتلظت بسعيرها, والتخلص منها كأكباش تضحية لإثبات حسن النوايا.
أول أكباش أمير قطر الجديد كان (خالد مشعل) زعيم " حركة حماس" الذي انكشفت جاسوسيته وعمالته بانسحابه المفاجئ من معسكر المقاومة إلى معسكر المؤامرة مع بدء الأزمة السورية, فكانت التضحية به هي الفصل الأخير من عملية إسدال الستار عن حركة جهادية حقيقية آلت إلى مشعل بعد سلسلة من الاغتيالات المتتالية طالت قياداتها المعهود عنها بالتمسك بالثوابت الوطنية الفلسطينية, و"مشعل" الذي اكتفى الموساد بمحاولة فاشلة لاغتياله في "عمان" وخرج منها بطلا شعبيا وطد بعدها علاقاته مع دمشق ونقل مقر إقامته إليها, وتحالف مع "حزب الله اللبناني" وأشرك مقاتلي "حماس" في تدريبات "حزب الله" لاكتساب المهارات القتالية, فكانت وسيلة بارعة لكشف خططهم وأساليبهم لإسرائيل, وكان مقاتلي "حماس" في طليعة القوى الإرهابية التي ساهمت في تدمير سوريا, فانتهت مهمة "المشعل" بتحويل بوصلة الصراع لحركة حماس من مقاومة إسرائيل إلى مجابهة قوى المقاومة, ومن منظمة جهادية إلى منظمة إرهابية تخدم مصالح الغرب وإسرائيل.
الكبش الثاني المترعرع في الحظيرة القطرية هو الشيخ الأخواني (يوسف القرضاوي) صاحب الفتاوى السياسية المثيرة للجدل, الذي طفا إلى السطح في غفلة من الزمن بدعم مادي وإعلامي هائل ليستقطب الأضواء ويسحب بهيئته "هيئه علماء المسلمين" الوهمية البساط من تحت أقدام بقية العلماء المسلمين رغم كل ما يحيط به من شبهات, و"لتميم" ثار قديم مع "القرضاوي" حينما كان يتمتع بحماية الدوائر الغربية وإصداره فتوى نقلتها الجزيرة بتاريخ "5 آب 2005" تقضي بإقامة الحد على الأمير "تميم" على خلفية شذوذه الجنسي وممارسة اللواط خلال إقامته في لندن وافتضاح أمر علاقته بعشيقه البريطاني (مايكل هيرد) وتردده على ملهى ليلي للشواذ الجنسيين في لندن, ودعا إلى إقامة الحد الشرعي عليه ورجمه حتى الموت حسبما تنص عليه الشريعة الإسلامية, ومع نهاية دور "القرضاوي" وإنهاء حماية الدوائر الغربية والإسرائيلية له فيبدو إن التضحية بشيخ زائف أشعل فتن طائفية مازالت نيرانها مستعرة أضحت من المسلمات لترقيع صورة متهرئة لأمير شاذ.
ولعل آخر الأكباش المحتضرة هي صاحبة عصب السبق في صناعة الفبركات الإعلامية, والتضليل والتهويل والغش والخداع قناة الجزيرة, حيث ما عادت لهذه القناة المعتلة القدرة على استقطاب المشاهد العربي وانخفضت نسبة المشاهدة إلى 10% فقط مما كانت تحظى به قبل الثورات العربية, فيما شطبها المتتبع للحدث السياسي من قاموسه كمصدر من مصادر معلوماته, فإعادة هيكلة القناة ورسم سياساتها من جديد مع الاستغناء عن الكثير من كوادرها الذين باتت طلتهم تصيب المشاهد بالاشمئزاز والقرف, تبدو ضرورية لبث الروح فيها من جديد وتمكينها من استعادة مشاهديها مجددا وغرس مفاهيم جديدة متسايرة مع الخطط المعدة للأمير الجديد, فدور قطر مازال محوريا في المنطقة لما تملكه من موارد مالية متراكمة ورغبة في السباحة عكس تيار الرغبات العربية والإسلامية, فسياسة قطر البراغماتية المرسومة بعناية فائقة في دهاليز المخابرات الأميركية والموساد مهيأة لتكون في حالة من التجدد المستمر, وصناعة دائمة للبدائل الجديدة من أدوات التآمر أو إعادة تأهيلها لتكون بإمرة الأمير الجديد في تنفيذ سياساته الجديدة.
رئيس الرابطة الوطنية للمحللين السياسيين
Khalid.alkhafaji@yahoo.com

الشأن الدولي

حلف الناتو... من الردع الى الهجوم ومن الشرق الى الجنوب

 

خالد الخفاجي

Khalid.alkhafaji@yahoo.com

 

 

     من نوافل القول إن حلف الأطلسي الذي يعرف اختصارا ب(الناتو) نشا في الأصل للدفاع عن أوربا الغربية من(الخطر العسكري السوفيتي) وتقوم فكرته أساسا بوجود عسكري أميركي دائم في بلدان أوربا الغربية وخاصة تلك التي على تماس مباشر مع بلدان المعسكر الاشتراكي في شرق أوربا لردع السوفيت بقوة رد سريع معادلة لقوتهم يمكن (واشنطن) من المشاركة في اي عملية عسكرية فور حدوثها, ريثما تكون القوة الضاربة قد تحركت من وراء المحيطات باتجاه ميدان المعركة, اي إن الحلف نشا أساسا على الردع, إلا إن انهيار الاتحاد السوفيتي وجيشه الأحمر توسع الحلف بمهماته ليتجاوز الردع وحماية أوربا الغربية الى القتال الهجومي والحروب الاستباقية التي تبنى على شكوك وأوهام, وتتحول اتجاهات الصراع من ما بين الشرق والغرب الى صراع الشمال والجنوب.

     وكان على الحلف وفق إستراتيجيته الجديدة توحيد أوربا أيدلوجيا, واستقبال الزائرين الجدد من أعضاء المعسكر الاشتراكي الزائل وصهرهم في بوتقته وترويض الأنظمة التي لا تنصاع لإرادته وتفتيتها كما في يوغسلافيا السابقة ويذكر بالسيناريو الذي وضعته وزارة الدفاع الأميركية بعيد انهيار الاتحاد السوفيتي, وقام على معادلة غرب غني وقوي ومسلح ضد عالم ضعيف ومتأخر وجائع واعزل, على أن يضم الغرب دولا جديدة يمكن الزج بها بذريعة الإرهاب مثل (روسيا والصين والهند والبرازيل) وتتوسع مناطق نفوذه وانتشاره بحيث يصبح الشمال في مواجهة الجنوب, وقد وضعت روسيا ومن خلال مؤتمر الحلف الأخير المنعقد في لشبونة البرتغالية أقدامها على أبواب هذا الحلف الجديد وإعلان رئيسها (مدفيدف) انتهاء المشكلات مع الناتو والتوقيع على سلسلة من الاتفاقيات لتصفية ارث الماضي ويصبح عدو الأمس اللدود حليفا مهما لإقامة أرضية مشتركة لتفاهم دائم ووطيد لا شك في انه سيغري الصين والهند والبرازيل بدخوله والانضمام الى الشمال الجديد ليكتمل حصار الجنوب والحاقه في شروط غير مسبوقة تاريخيا, ويبدو إن الناتو قد وضع الصين نصب عينيه وما تشكله من قوة عسكرية واقتصادية وبصفتها عضوا دائما في مجلس الأمن تتمتع بحق النقض, وهذا طبعا سيتم بعد الانتهاء من عملية هضم روسيا داخل الحلف والإفادة من قوتها وموقعها وخبراتها في مجال الحروب ومكافحة الإرهاب, الذي تحول الى معركة تكتسب شمولا متعاظما ضد العالم الإسلامي, وربما كان أول الغيث فتح الأراضي الروسية أمام تدفق إمدادات السلاح الغربي الى أفغانستان, وهذا ما أعلن عنه الروس بعد مؤتمر لشبونة من إن توسيع مهام الحلف توسيعا سريعا ومضطردا لتصبح مهام كونية, ولم يعد محور جهد الحلف وفق الفهم الإستراتيجي ا�%8

التعرفة الكمركية .. سخرية اقتصادية بين الحكومة والبنك المركزي

 

خالد الخفاجي

Khalid.alkhafaji@yahoo.com

 

فوضى الأسواق الخلاقة, رسم ملامحها الحاكم المدني (بريمر) ورسختها الحكومة العراقية بإهمالها وتعطيلها للقوانين الاقتصادية عن عمد ومنها قانون التعرفة الكمركية للاستئثار بالأسواق العراقية وإفراغها من عملاتها الأجنبية, حيث عادت الحكومة مجددا بالطلب من مجلس النواب لتأجيل تطبيقه ريثما يتم استكمال إجراءات وأدوات ووسائل تطبيق القانون وتقديم وزارة المالية الأسباب العملية والفنية المبررة لتأجيل تطبيقه رغم إن هذا القانون قد شرع قبل ثلاث سنوات وكان من المقرر العمل به قبل أكثر من سنة.

التأجيل يبدو منطقيا جدا للاقتصاديين وحتى الصناعيين الذين كانوا قد استبشروا من تطبيق هذا القانون خيرا, وببساطة فان مجلسا للنواب وآخر للوزراء وجيش عرمرم من المستشارين غير قادرين طوال هذه الفترة من استكمال أدوات ووسائل تطبيق القانون, واقتصار آليات التطبيق على وزارة المالية تبدو إنها مثيرة للسخرية, أي إنها آليات إدارية بحتة تختص بوزارة المالية وكيفية جباية الضرائب وإفراغ القانون من محتواه ومزاياه الاقتصادية والغرض من تشريعه باعتباره أيضا كوسيلة لحماية الإنتاج المحلي, فليس هنالك من إنتاج محلي لتتم حمايته لعدم سعي الحكومة مطلقا لمعالجة الأسباب التي أدت لإخراج المشاريع الإنتاجية العراقية من الخدمة كالتضخم وسعر صرف العملة المحلية والإغراق السلعي والغش التجاري والفساد وانعدام الخدمات وهذه كلها ساهمت في انعدام شروط المنافسة ورفع تكاليف الإنتاج المحلي مقارنة بالإنتاج الوارد, وهذا ما يجعل المطالبات بتأجيله مقنعة وتمنح الحكومة العذر في تعطيله كغيره من القوانين الاقتصادية الأخرى.

 أما البنك المركزي فقد اعتدنا على تغريده خارج السرب, وهو يتحمل الوزر الأكبر في تدمير الإنتاج المحلي في انقياده الأعمى لتنفيذ وصفات خبراء البنك وصندوق النقد الدوليين الجاهزة, وبعكس ما مناط به من مسؤولية معالجة التضخم والمحافظة على استقرارية الأسواق فانه ساهم في صناعة التضخم وإفقاد العملة المحلية لقيمتها الحقيقية وتدهور قدرتها الشرائية مع استمراره بالرفع المستمر للقيمة الاسمية للدينار وتحديده لسعر صرف أعلى من قيمته الحقيقية, وهذا أدى الى ارتفاع تكاليف الإنتاج المحلي وانخفاض تكاليف الإنتاج الوارد.

البنك المركزي دأب على انتهاج أسلوب النعامات في مواجهة الأخطار ودفن رأسه في الرمال كي لا يرى ما يراه الآخرون وترويجه لأعذار واهية تصل الى حد الاستخفاف بكل النظريات والتطبيقات العلمية الاقتصادية وضربها عرض الحائط عندما يجد نائب المحافظ (مظهر محمد صالح) من إن لا ضير في إبقاء الاقتصاد العراقي ريعي أحادي الجانب وتعويض خسائر انعدام الإنتاج المحلي من عائدات النفط, ويشبه التضخم بعجلة الزمن التي لا يمكن إعادتها الى الخلف مداراة لعجزه مع إن التضخم ممكن معالجته (وإعادة عجلة الزمن الى الخلف) إن كانت له رغبة في ذلك, ويرى إن التعرفة الكمركية سببا لرفع نسب التضخم ويتغافل إن التعرفة الكمركية هي إجراء من الإجراءات التي تتخذها الدول لمعالجة الاختلالات النقدية ومعالجة التضخم, خاصة إن التضخم الذي يعاني منه الاقتصاد العراقي هو (تضخم ذاتي) أي زيادة كمية النقد المتداول في الأسواق الذي يؤثر في زيادة الطلب على السلع والخدمات ويؤدي الى نشوء مضاربات مالية تزيد من الحلقات الإضافية (الوسطاء) بين المورد والمستهلك تؤدي إلى ارتفاع الأسعار, فالتعرفة هي وسيلة لامتصاص النقد الفائض من الأسواق الذي تسبب البنك في ضخه, وهي تمثل كابحا لنمو معدلات الطلب والحد من الاستهلاك.

ولم يكتفي البنك المركزي بما سلف واعد العدة لإجهاض قانون التعرفة الكمركية حتى وان أنجزت الحكومة كل متطلبات إنجاحه بما يمتلكه من أدوات نقدية مقترنة بمشروعه البائس لحذف الاصفار من العملة, وإعادة رفع قيمة الدينار الاسمية العديم القيمة ومساواته بالدولار (وكأنه لم يسمع بان قوة العملة وقدرتها على المنافسة تكمن في خفضها), وهذا يؤدي الى خفض تكاليف الإنتاج الوارد بنفس نسبة الرسم الكمركي المفروض عليها تقريبا, فما الغرض من إصدار هذا القانون إذا كانت الحكومة في واد والبنك المركزي في واد آخر؟ وكيف يمكن تفعيل القطاعات الإنتاجية لخلق اقتصاد وطني متعدد الجوانب والمركزي يستخدم سلاح سعر الصرف لتدميرها ؟

إن نجاح قانون التعرفة الكمركية يرتبط بتفعيل القطاعات الإنتاجية من خلال معالجة التضخم بخفض الإنفاق الحكومي لسحب الفائض النقدي من الأسواق, وخفض قيمة العملة المحلية حيث تمثل العملة المنخفضة القيمة أداة شديدة الفعالية في تعزيز النمو، وتؤدي إلى خلق الحوافز لدى القطاعات الإنتاجية (الصناعية والزراعية والسياحة والفندقة) المعززة للنمو وتزيد من ربحية القطاعات الإنتاجية وتنشيطها, بالإضافة الى مكافحة الفساد المالي والإداري وتوفير الخدمات ودعم القطاعات الإنتاجية (خاصة القطاع الخاص الذي تم تدميره تماما) ... إن تنشيط القطاعات الإنتاجية يؤدي الى دعم الناتج القومي وتعدد جوانبه وستوفر مئات الآلاف من فرص العمل, وستخلق منافسة عادلة مع الإنتاج الوارد واختزال الحلقات الإضافية بين المورد والمستهلك وخفض هامش الربح الفاحش الذي يضيفه التجار, ولعل من أهم المزايا التي تحتم فرضها هو لإغراء الشركات العابرة واستقدامها للاستثمار والإنتاج في العراق بدلا من استقدام منتجاتها من الخارج, أما بعكس ذلك فان إلغاءها أفضل بكثير من العمل بها.

الأيمو وظواهر أخرى ...نتائج لأسباب تنبئ بالمزيد

 

خالد الخفاجي

 

الأيمو: مجموعة من المحبطين استشعروا عقدا في دواخلهم, وتحسسوا عيوب أنفسهم وانعدام فاعليتها, وهدفهم التخلص من هذه العقد والبدء من جديد, فتنتاب المحبطون رغبة عارمة بالعثور على هوية جديدة تخفي عقدهم وتميزهم عن باقي أفراد المجتمع, وتدفعهم الى المحاكاة والتقليد والابتداع لظواهر كلما اشتدت غرابتها وشذوذها كلما سارعت الى لفت أنظار المجتمع إليهم ... نبذهم يؤدي الى تجمعهم وتوحدهم والانغلاق على ذاتهم واحتقار العالم المحيط بهم... البيئة المناسبة لانتشار هذه الظواهر الغريبة هي تلك التي شهدت تنظيما اجتماعيا محافظا تخلخل لسبب أو لآخر وتعرض الروابط المجتمعية فيه للضعف والانهيار.

وكالعادة تطوع البعض الى معالجة النتائج تاركين الأسباب خلف ظهورهم, وأوقعوا فيهم اشد العقاب, وحاولوا إقناعنا بأنهم مخلوقات شريرة تستحق أقصى أنواع العذاب لخنق تأنيب الضمير, فهم مصاصو دماء وعبده الشيطان فلا شفقة عليهم ولا رحمة وليس علينا الشعور إزاءهم بأدنى شفقة.

الفيلسوف الكبير (الفارابي) يصف أهمية الإنسان في بناء الدولة فيقول: (لا دولة فاضلة دون بناء إنسان فاضل) وبناء الإنسان الفاضل يتطلب إعداده منذ الصغر واحتضان النشء الجديد وتنمية قدراتهم العقلية والبدنية وتنمية مواهبهم الفنية والرياضة والفكرية وغرس القيم الايجابية في نفوسهم ليكونوا بناة حقيقيين في مجتمع متماسك ودولة مزدهرة ... بناء الإنسان مسؤولية تضامنية تتضافر فيها جهود المؤسسات التربوية والصحية والثقافية والشبابية ومنظمات المجتمع المدني الأخرى تشكل منظومة متكاملة تعنى في بناء الإنسان وتقويمه ... فماذا عسانا أن نقول ونحن نلحظ كل هذا الإهمال في هذه المؤسسات؟ وأي جيل ينشا ونحن نشاهد الأموال المخصصة للمنظومة الاجتماعية تعاد الى خزينة الدولة كل سنة وتدور كما هي للسنة التي تليها وكأنهم اقسموا على أن لا يضعوا حجرا على حجر ولم يقسموا على خدمة هذه الدولة وهذا الشعب ... وطالما كانت الدول المتحضرة تتفاخر بحجم تخصيصاتها للتربية والصحة فهي أساس بناء الإنسان القويم, أما مدارسنا فهي لا تحمل من صفات المدارس إلا تسميتها, وكانت عامل طرد للتلاميذ بدلا من أن تكون عامل جذب لهم, والمؤسسات الصحية فليس لها سوى بنايات خاوية من الأطباء والأدوية وربما نشهد في القريب العاجل خصخصة هذه المستشفيات والتخلص منها ومن نفقاتها, أما الثقافة فعندما يفكر البعض في تحويل مؤسساتها الى استثمارات وتمويل ذاتي ومناقلة تخصيصاتها الى وزارة الدفاع, فاقرأ على الثقافة السلام, والرياضة ليست سوى مشاريع كبرى (دسمة) ملاعب كبيرة ومدن رياضية, من دون التفكير بأساس قوي للرياضة وبناء مراكز الشباب والرعاية العلمية لانتشال الشباب من الملل والضجر وفراغ يقتله التسكع في الطرقات والتقليد الأعمى لظواهر شاذة.

احد البرلمانيين وصف الأيمو بأنها ظاهرة صهيونية تسعى لتفكيك المجتمع ... نعم هي كذلك, ولكن كيف نفذت المنظمات الصهيونية لتتغلغل داخل المجتمع العراقي وتنشر هذه الظواهر فيه؟ انه الإهمال والتجاهل الحكومي لمتطلبات الحياة اليومية للفرد والمجتمع, وهي انعكاس للفشل في معالجة المشاكل الخطيرة التي يعاني منها العراقيون من فقر وحرمان وبطالة وانعدام الأمن والفساد والاستئثار بالمال العام واتساع حدة التباين الطبقي وهذه الأسباب أدت الى تفكك اسري وانحدار في مستوى القيم الايجابية في المجتمع وتفشي البطالة والأمية والتسرب من مقاعد الدراسة, وهذه كلها ثغرات تتوسع بلامبالاة الحكومة وتجاهلها, لتجد المنظمات الصهيونية منفذا لها للدخول الى المجتمع العراقي وتبدأ فعلتها في نشر هذه الظواهر لتفتيته ونشر الفسق والفجور فيه, الأيمو لم تكن هي الظاهرة الشاذة الأولى في المجتمع العراقي, ولن تكون الأخيرة مالم تعمد الحكومة على معالجة الأسباب وغلق الثغرات وتحصين المجتمع من هذه الظواهر الهدامة.

الاستثمار اجراء واه لحل ازمة السكن

 

 (المشرف العام) - (2011-08-17م)

خالد الخفاجي

عولت الحكومة العراقية كثيرا في حل أزمةالسكن الحادة التي يعاني منها العراقيين خاصة ذوي الدخول المحدودة على المستثمر, الذي بات شغلها الشاغل في كيفية جذبه, وحلال مشاكلها الذي يجب أن ترمي الكرة فيملعبه وتلقي باللائمة عليه لعدم الاستثمار في هذا القطاع لحل هذه الأزمة. إن أزمةالسكن هي مشكلة متراكمة, بوادرها بدأت بالظهور بشكل جلي بعد فرض العقوبات الدوليةعلى العراق عام (1990) وتدهور الوضع الاقتصادي وارتفاع معدلات التضخم وضعف قدرةالدينار العراقي الشرائية هذه الأسباب أدت إلى انخفاض عمليات البناء بشكل كبير حتىأصبحت لاتشكل أي نسبة مئوية تذكر مقارنة مع الزيادة الطبيعية لمعدل نمو السكان, وبعد سقوط النظام السابق عام (2003) والتحسن الكبير الذي طرأ على مستوى دخل الفردوارتفاع القدرة الشرائية لبعض شرائح المجتمع وازدياد الطلب على العقارات, بدأت هذهالمشكلة تطفوا على السطح لتلقي بظلالها على شرائح أخرى لم تستطع مجارات الارتفاعالكبير في أسعار هذه العقارات أو بدلات إيجارها, اي إن الأزمة سببها حالة الفقرالمتفشية والتباين الطبقي الحاد الذي بدا يتسع بين أفراد المجتمع, ولتكون إحدى ابرزالأزمات التي يعاني منها المجتمع العراقي ... خبراء الأمم المتحدة يقدرون حاجةالعراق من الوحدات السكنية بأكثر من (3,5) مليون وحدة, أما وزارة الأعمار والإسكانفقد حددت احتياجات العراق الحالية من الوحدات السكنية ب(1,5) مليون وحدة سكنية وانالحاجة الفعلية للوحدات السكنية لغاية عام (2015) تبلغ (3,5) مليون وحدة سكنيةوترتفع احتياجات العراق إلى (6,8) مليون وحدة عام (3030) ووفق نسبة زيادة في النموالسكاني تبلغ (3%) ومتوسط حجم الأسرة يبلغ (5-6) فرد, ونسبة اندثار المباني القائمةتبلغ (5%) وان معدل بناء الوحدات السكنية يجب أن لا يقل عن (350) ألف وحدة سكنيةلكل عام, هذه التقديرات كانت وفق دراسة الوزارة المعدة عام (2006) وإذا ما اضفناتوقف مشاريع الإسكان للفترة المنصرمة وعدم تخصيص الأموال اللازمة لوزارة الأعماروالإسكان لانجاز مهماتها فان المشكلة تكون قد تفاقمت, ومما يدل على عدم جديةالحكومة في حل هذه الأزمة والاعتماد الكلي على المستثمرين, وباستثناء بعض المشاريعالاستثمارية الهزيلة التي لا تلبي الطموح لأسباب, منها إنها تبنى بتقنيات أربعينياتالقرن الماضي وفي مناطق نائية وبعيدة عن مراكز المدن وبأسعار مرتفعة جدا, ممايجعلها عديمة الجدوى الاقتصادية وما إذا كان المواطن الذي يعاني من هذه الأزمةقادرا على اقتناء حاجته منها أم لا, فمعدل الأسعار المنجزة بطريقة الاستثمار مرتفعجدا بسبب الكلف الإضافية التي يجب أن يتحملها المواطن ويدفع ثمنها مثل كلف الفسادالمالي والإداري وكلف المخاطر الأمنية والتضخم وغيرها لذلك يصبح من العسير على ذويالدخول المحدودة القدرة على شراءها, وإذا ما قارنا بين أسعار الوحدات السكنيةالمنجزة في العراق وبين مثيلاتها في بعض الدول العربية وبمواصفات أفضل فإننا سنجدفرقا شاسعا بينهما, فالوحدة السكنية منخفضة الكلفة في مصر مثلا لا يتجاوز سعرها عن (10) آلاف دولار بينما في العراق وعلى ضوء الأسعار المعلنة فان كلفتها لا تقل عن (50) ألف دولار, وان الوحدات السكنية في سوريا وذات مواصفات أفضل بكثير مما هو عليهفي العراق لا يزيد سعرها عن (20) ألف دولار بينما في العراق ومواصفات اقل جودة لاتقل عن (84) ألف دولار, وهذا يعني فشل المشاريع الإسكانية بطريقة الاستثمار من حلأزمة السكن لانعدام القدرة الشرائية لمن يعاني من هذه الأزمة, فالذي يمتلك (84) ألفدولار لا حاجة له بالمستثمر ويستطيع شراء وحدة سكنية أفضل مما كان سيوفرها, فأساسالأزمة هو الفقر والحرمان وليست في قلة الوحدات السكنية. إن انتهاج العراق لنظامالاقتصاد الحر لا يعني تنصل الدولة من مسؤولياتها تجاه المجتمع كما يردده البعض منالمسؤولين ويروج له, بل إن الاقتصاد الحر ارتبط دائما ببرامج العمل الاجتماعيالداعمة للطبقات الفقيرة وأصحاب الدخول المنخفضة والعاطلين عن العمل, بالإضافة إلىمنضمات المجتمع المدني المتخصصة بالإسكان التي تأخذ على عاتقها تمويل مشاريعالإسكان وتوزيعها على مستحقيها ممن لا يملكون سكنا خاصا بهم كما تقوم بمساعدتهم فيتسديد قسما من سعر الشراء قد يصل إلى (50%) من قيمته, أو استئجار مجمعات سكنيةلإسكان المعدمين, هذه الإجراءات تتم في الدول التي تولي أهمية لابناءها ومعرفتهالما للسكن اللائق من أهمية في تحصين المجتمع والأسرة للكثير من الإمراض الاجتماعية, فهل ستستمر الحكومة العراقية بتجاهل أزمة السكن ومن يعاني منها وعدم أخذها على محملالجد رغم الموازنات المالية الهائلة التي تنفقها في سراب

الإستاذ خالد الخفاجي:تحديد الفترات الرئاسية بين ثغرات الدستور وثغرات العقول

Published February 3, 2013 | By صحيفة الاستقامة الالكترونية

خالد الخفاجي

رئيس الرابطة الوطنية للمحللين السياسيين

Khalid.alkhafaji@yahoo.com

 

مع تصويت مجلس النواب على قانون تحديد الفترات الرئاسية برزت أزمة أخرى اختبأت تحت الرماد بانتظار انجلاء أزمة التظاهرات لتتوقد بعد حين وتضع المحكمة الاتحادية أمام اختبار جديد لإثبات استقلاليتها في تفسير المواد الدستورية ومدى انصياعها لرغبات المستأثرين بالحكم والحلقة الضيقة المحيطة برئيس الوزراء وأطراف أخرى يرتبط بقاءها على الساحة السياسية ببقائه في سدة الحكم.

ولعل من المفارقات الغريبة هو ادعاء عدم تضمين الدستور لمادة تحدد عدد فترات ترشيح منصب رئيس الوزراء ذو الصلاحيات التنفيذية الواسعة في الوقت عينه الذي حدد فيه الدستور عدد ولايات منصب رئيس الجمهورية الذي لا يعدو كونه منصبا فخريا بلا صلاحيات تذكر, حيث يذهب ائتلاف دولة القانون في اعتراضه على قرار تحديد الفترات الرئاسية بجملة من الأسباب المتناقضة مع روح المواد الدستورية وأبرزها تعارضه مع “المادة 68″ التي حددت اشتراطات الترشيح لمنصب رئاسة الجمهورية, حيث نصت (المادة 77/ أولا :ـ يشترط في رئيس مجلس الوزراء ما يشترط في رئيس الجمهورية، وان يكون حائزاً الشهادة الجامعية أو ما يعادلها، وأتم الخامسة والثلاثين سنةً من عمره) واشتراطات الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية وفق “المادة 68″ نصت:

  يشترط في المرشح لرئاسة الجمهورية أن يكون:

أولا :ـ  عراقياً بالولادة ومن أبوين عراقيين.

ثانياً :ـ كامل الأهلية وأتم الأربعين سنةً من عمره .

ثالثاً :ـ ذا سمعةٍ حسنةٍ وخبرةٍ سياسيةٍ ومشهوداً له بالنـزاهة والاستقامة والعدالة والإخلاص للوطن.

رابعاً :ـ غير محكومٍ بجريمةٍ مخلةٍ بالشرف.

ثم أضيف شرط آخر للمرشح لرئاسة الجمهورية, حيث نصت (المادة 72/ أولا-  تحدد ولاية رئيس الجمهورية بأربع سنوات، ويجوز إعادة انتخابه لولاية ثانيةٍ فحسب), وهذا شرط آخر يجب توافره للترشيح لمنصب رئيس الجمهورية نص عليه الدستور أيضا مضافا إلى “المادة 68″ المذكورة من شروط تولي رئيس الجمهورية, وهذا يعني بديهيا إن لا ولاية ثالثة لرئيس مجلس الوزراء ما دام الترشيح لمنصب رئيس مجلس الوزراء بنفس شروط الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية فتكون الشروط المطلوبة في رئيس الجمهورية هي ذاتها الواجب توافرها في رئيس مجلس الوزراء حيث إن “المادة 77/ أولا” لم تحصر الشروط في “المادة 68″ فقط وإنما جميع ما يشترط على منصب رئيس الجمهورية، وان الأخذ بالمعنى الضيق لكلمة الشروط وحصر معناها بما جاء في “المادة 68″ فقط يعني الانتقائية في الأخذ بمواد الدستور وتجاوزا على مبادئه.

إن المأزق الحقيقي الذي تمر به العملية السياسية يكمن في وقوع الدستور ضحية للانتقائية والتفسيرات الكيفية لساسة نافذون سلطويون سهل مهمتهم آخرون من الساسة دون قصد يجهلون تماما ما تضمنه الدستور من مواد وماهية تفسيراته تمرر عبرهم المواد الدستورية مشوهة ومغلوطة وما عليهم إلا الإذعان والإقرار به

الاحتيال السياسي وخداع الرأي العام …قانون التقاعد انموذجا

خالد الخفاجي

Khalid.alkhafaji@yahoo.com

ربما كان للاحتيال السياسي ما يبرره في العلاقات الدولية والسياسات الخارجية, طالما كان الهدف هو خدمة البلاد وفق المبدأ الميكافيلي “الغاية تبرر الوسيلة” التي نفتقدها تماما, بل غالبا ما تقمص محتالونا السياسيين دور الضحية الساذجة التي تقع ضحية الاحتيال الخارجي مقابل منافع شخصية على حساب المصالح الوطنية, ومع هذا فان الاحتيال السياسي يفقد كل مبرراته في إدارة شؤون البلاد الداخلية, ويتحول من دهاء سياسي إلى انتهازية وضيعة لمخادعة العقل الجمعي واستقطابهم واستمالتهم, تعكس التركيبة السايكولوجية والبيئة الشاذة التي نشأ بها هذا المحتال, وضعف ولاءه الوطني وتغليب مصالحه الشخصية على المصالح الوطنية في طريقة إدارته الدولة, والسير بها نحو الانحطاط في كل مجالاتها, ولعل أخطرها هو الانحطاط ألقيمي المجتمعي الذي يترسخ على أيدي أولئك المحتالين. ومما لاشك فيه إن المالكي يعد من ابرز الزعماء الذين تسيدوا الساحة السياسية بتناقضاته الخطابية, بل إن ديماغوغيته هي الصفة الوحيدة التي أهلته لتبوء منصبه, فهو من الخطباء البلغاء المتحمسين على الدوام لخداع الجماهير, مع وجود تنافر وتباين كبير في خطاباته يكمن في البون الشاسع بين التصريحات ومقتضيات تدبيجها بأرفع الكلمات وتزيينها بالوعود والانجازات, وبين الواقع الفعلي الذي يكذب ذلك الخطاب, حيث سرعان ماتتهاوى الشعارات وتصدم الجماهير بواقع معكوس تماما تتناقض فيه الأقوال مع الأفعال, هذا ان لم يكن خطابه جاء معكوسا لواقع الأحداث من الأساس, وهذه الازدواجية ليست حالة آنية عابرة, بل تكاد تكون هي الصفة المتلازمة التي تتصف بها تصريحات المالكي مع فعاله. ما أن أحال رئيس الوزراء نوري المالكي قانون التقاعد العام لنائبه لشؤون الطاقة”حسين الشهرستاني” الشخصية الحالمة التي يحتفظ العراقيين بذكريات مريرة عنها لتشريعه, حتى توجسنا خيفة مما سيؤول إليه القانون, وانتاب الشارع العراقي حالة من الارتياب بصدقية الحكومة في تنفيذها لمطالب المتظاهرين والمتعلقة بإلغاء الرواتب التقاعدية للدرجات الخاصة وإصدار قانون موحد للتقاعد بديلا عنه, وان خديعة سمجة ستنفذ ويجري الالتفاف على مطالب الجماهير, فالمالكي الذي وقف بكل ما أتته سلطاته من قوة شرعية وغير شرعية للحؤول دون قيام التظاهرات عاد بديماغوغيته ليعلن انه مع مطالب المتظاهرين بعد أن وجد إن المتظاهرين لا يعبئون بوعوده ووعيده, فاخرج قانونا بائسا للتقاعد أسوأ من سابقه سمي جزافا بالقانون الموحد وضعت فيه امتيازات للنخبة السياسية دون وجه حق, فلأول مرة نسمع إن هناك “خدمة جهادية” تمنح وفق قانون الانتهازية السياسي لمن قضى السنوات العجاف التي عاشها العراقيون وهو متنسما هواء أوربا العليل ومتنعما برواتب أجهزة مخابراتها, وان هناك خدمة تلقائية لا تقل عن خمسة عشر سنة للهيئات الرئاسية والوزراء, وان هناك خدمة ممتازة تتضاعف حسب الرضا والمقبولية من هذا الطرف النافذ أو ذاك, واغفل القانون تماما وضع سلما للرواتب لإيجاد نسبة وتناسب بين الحد الأدنى والأعلى للرواتب, وهذا ما يفتح الباب واسعا لمنح المسؤولين أنفسهم المزيد من الحقوق للارتقاء في هذا السلم الذي يعد هو الأكثر تباينا في العالم يبلغ أكثر من (300) ضعفا بين حديه الأعلى والأدنى بينما في الولايات المتحدة الاقتصاد الأول عالميا لا يزيد التباين بين الحدين عن (11) ضعفا. من الحماقة أن يتصور مزاولوا الاحتيال السياسي إمكانية الضحك على ضحاياهم بصياغة العبارات المنمقة وقدراتهم الخطابية وإطلاق والوعود والتعهدات من دون الوفاء بها خاصة مع شعب خبر هذه الأساليب جيدا, وإنما هم بذلك يكشفون عن خواءهم السياسي والأخلاقي وبيان معدنهم الحقيقي الذي لا يمكن توريته بتناقضاتهم

افريقيا ثروة وفقر

خالد الخفاجي

 

غالبا ماينظر الى افريقيا على انها قارة واسعة من المكونات القبلية الواسعة الغامضة ومنجما هائلا من الثروات الطبيعية, وإنها تقترن دوما بالبؤس والعنف معا, ويعني هذا الوصف ان قارة افريقيا تشكل حالة مستعصية ذات مشاكل فريدة من نوعها وبذلك فهي غير قادرة على حل مشاكلها بنفسها , لتكون هذه ذريعة للتدخلات الغربية بعد ان انكسرت عسكريا أيام الحرب الباردة والتي كانت افريقيا إحدى ابرز جبهاتها.

ان لإفريقيا موقعا على الخارطة الاقتصادية العالمية اكبر بكثير مما يمكن تصوره, إلا ان العوامل الأساسية التي تزعزع استقرارها هي نفسها التي تزعزع الاستقرار في المنطقة العربية وجنوب شرق آسيا ودول أميركا اللاتينية, وحالها كحال أية بقعة لا تنتمي الى العالم الغربي, فالاقتصاد الإفريقي تسيطر عليه أقليات سلطوية او عرقية مهيمنة على جميع القطاعات المهمة والحيوية, وتحتكر المداخل للثروات والأسواق العالمية كافة, وتعمل على خلق حالة من الاستياء العرقي وكراهية متزايدة بين الغالبية من السكان الأصليين وبين هذه الأقليات, تكملها طبيعة النخب السياسية الحاكمة وفسادها وتبعية قرارها للإرادات الخارجية, ولعل ابرز ما يميز افريقيا ودولها عن غيرها من بقية بلدان العالم النامية الأخرى, هو انه ليست هنالك بقعة أخرى من العالم أكثرها فقرا وثروة وأكثرها تعقيدا من الناحية القبلية واللغوية والانقسامات العرقية منها, وهي القارة التي خرج الاستعمار الغربي منها منكسرا بمقاومة باسلة من حركات التحرر الوطنية المدعومة من المعسكر الاشتراكي, إلا ان ما خلفه الاستعمار من إقطاعيات واحتكارات اقتصادية وفساد ومطاحنات عرقية ليس لها مثيل, غالبا ما تندلع كحروب أهلية وأعمال عنف عرقية سمتها البارزة المجازر الوحشية بحق المدنيين العزل تفتك بأعداد هائلة من السكان يتدخل الغرب فيما بعد لحماية مصالحه وكان الأمر مبيت لإخلاء هذه القارة من سكانها.

ان افريقيا مصابة بوباء الأقليات العرقية المهيمنة على السوق, وكنتيجة حتمية للمتغيرات الاقتصادية العالمية قادة الليبرالية الاقتصادية والأسواق الحرة والعولمة الى زيادة ثروات المجموعات العرقية وتراكمها على نحو كبير ممهدين لمزيد من الإحباط والحسد وعدم الإحساس بالرضا بين أوساط الغالبية من السكان الأصليين الفقراء, والترابط ما بين الاستعمار وبين ظاهرة الأقليات المهيمنة على السوق بعلاقة قوية, لا يتعلق الأمر بان هذه الأقليات هم من جنسيات الدول المستعمرة فحسب, بل هي سياسة (فرق- تسد) الاستعمارية التي أثرت أيضا على مجموعات دون أخرى ليصبح أمر التدخل لحمايتهم ساري المفعول في كل وقت وحين, وخلقت خللا في ميزان توزيع الثروات على أسس عرقية, وصعدت من حدة التوتر فيما بينهم, وهذه السياسة ساعدت الى حد كبير على ظهور (هويات العرقية) وخلافات اثنيه اتسعت لم تكن موجودة من قبل والأمر الذي يبعث الى الدهشة اليوم, ان أكثر الأقليات المهيمنة على السوق في افريقيا او غيرها من المناطق المستعمرة في العالم, هم من سلالة المستعمرين السابقين وبعض الأتباع المحليين,لذا فان الوجود المقنع للأقليات المهيمنة على الاقتصاد الإفريقي يمثل من أكثر الأساليب الاستعمارية بشاعة وأكثرها تخريبا.

 

استقلالية القضاء وفضائح التسييس

 

خالد الخفاجي

يدور الحديث كثيرا عن القضاء العراقي ومدى استقلاليته, والحديث بهذا الشأن ليس وليد الأزمة الحالية على خلفية الاتهام الموجه لنائب رئيس الجمهورية (طارق الهاشمي), بل يمتد الى ابعد من ذلك ليتشعب ويشمل قضايا أخرى بالغة الحساسية, إلا إن قضية الهاشمي تمثل أنموذجا حيا على (استقلالية القضاء), ففي هذه القضية نجد إن ملفات أخفيت عن القضاء لثلاث سنوات تخللها تبوء المتهم لمنصب بالغ الأهمية, ثم تقدم الملفات ويستأذن القضاة من رئيس الوزراء لاستصدار مذكرة القبض بعد تسهيل مغادرته الى إقليم كردستان ... ومن ثم طلب الحكومة المركزية من حكومة الإقليم بتسهيل هروبه الى الخارج, وهذا ما أكده رئيس الإقليم (مسعود البرزاني) في آخر تصريحاته المدوية بشان القضية.

فأي استقلالية ظلت للقضاء وهو يستأذن لإصدار مذكرة القبض, وأي قضاء هذا الذي ترك من عطل سير العدالة وأخفى وهرب المتهم دون أن تطاله العدالة؟

إن الحديث عن استقلالية القضاء يبدو واهيا مع تعطيل المادة (89) من الدستور والخاصة بتحديد السلطة القضائية وأجهزتها وتعطيل القوانين التي تنظم عملها بتعمد واضح للإبقاء على تركيبة رئاسة مجلس القضاء الأعلى اللاشرعي المشكل بأوامر الحاكم المدني (بول بريمر) الذي استساغ عمل الكثير من رموز النظام السابق لترؤس مجلس القضاء الأعلى لخبرتهم في تدعيم الأنظمة الديكتاتورية ولو طبقت إجراءات الاجتثاث بحقهم لانهارت السلطة القضائية برمتها, وهذا ما جعل رئيس مجلس القضاء الأعلى يربض في منصبه منذ عام (2004) رغم تجاوز عمره الخامسة والثمانين (مواليد 1927), واخذ على عاتقه تشكيل الأجهزة القضائية الأخرى لتسير على نهج (مجلس شورى الدولة) الذي ترأسه لغاية سقوط النظام السابق وقولبة القوانين وفق العرض والطلب السياسي كفتواه القانونية لطاغوت العصر (البيعة الأبدية) المنشورة في جريدة القادسية في يوم 15/10/2002, فليس غريبا إذا أن نجد السلطة القضائية وقد تحولت الى ألعوبة بيد بعض الساسة النافذين.

القضاء خلق أزمة كبيرة ما زالت انعكاساتها السلبية تضرب بأطنابها بقوة في المشهد السياسي بتفسيره الموارب للكتلة الأكبر الفائزة بالانتخابات, التي غيرت موازين القوى واتجاهات التحالفات السياسية, ويسير قدما في ترسيخ الحكم الفردي وتجريد السلطة التشريعية من صلاحياتها وتحويلها للسلطة التنفيذية بخلاف ما نصت عليه النصوص الدستورية, فكان قرار المحكمة الاتحادية في ربط الهيئات المستقلة برئيس الوزراء بقرار متناقض مع قرار سابق لها فيما يتعلق بهيئة النزاهة, وجعلت رئيس الوزراء هو المتحكم بهذه الهيئات حتى في تنصيبه لمن يشاء في رئاستها, وهذا تجلى في طعن المحكمة الاتحادية لقانوني هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية وحولت حق اختيار رؤساء هذه الهيئات من مجلس النواب الى رئاسة الوزراء, رغم تأكيد الدستور على استقلاليتها وارتباطها بمجلس النواب, وهذا سينعكس أيضا على بقية الهيئات المستقلة.

والقضاء (المستقل) ساهم كثيرا في حماية الفساد وترسيخه, فلن نجد مسؤولا كبيرا وقد قبع خلف قضبان الحديد عقابا على أفعاله الشائنة وسرقته للمال العام, فانتشر الفساد كانتشار النار في الهشيم, بل وعمد الى تقديم التسهيلات لهم ونقل قضاياهم من محكمة لأخرى, أو بإلغاء أوامر القبض الصادرة بحقهم بذرائع واهية رغم انف مجلس النواب وهيئة النزاهة...  والقضاء تحول أيضا الى امتياز من الامتيازات يتمتع به المحظيين دون غيرهم, فاحد النواب المتهمين بقضية قتل مع ابن شقيقه نقل قضيته من محافظة بابل الى بغداد بعد انشقاقه من كتلته وإدلاءه بتصريحات ضدها, فالمادة (55) التي تجيز للمتهم من نقل قضيته من محكمة الى أخرى هو امتياز خاص لا يتمتع به سوى المحضيين ... والقضاء وسيلة للنفي وليس لإحقاق الحق, وهذا يتجلى في إصدار أوامر القبض بحق بعض المسؤولين وإبلاغهم بها وهم في المطارات فيرحل دون عودة أو أثناء وجوده خارج العراق فيبقى دون عودة, تما ما كما في قضية الهاشمي ... واستل القضاء سيفه البتار ليكمم الأفواه ويقوم بترويض الإعلام بتهمة القذف والتشهير ونجح في ذلك الى حد كبير, وطالت هذه التهمة الكثير من النواب أيضا.

ولعل أسوا ما يمكن أن يصل إليه القضاء عندما يبلغ السوء به ليكون وسيلة للابتزاز السياسي في دولة يقال عنها بأنها ديمقراطية, فكم من أوامر القبض الصادرة بحق مسؤولين كبار معلقة منذ أعوام وشهور ومازالوا في مواقعهم, لكنها تفعل ويلوح بها عند التضارب في المصالح أو المواقف لاستمالتهم وتطويعهم, وأوامر أخرى تلغى بلمح البصر ويضرب بها عرض الحائط وكان شيئا لم يكن بعد مفاوضات وتنازلات وتحالفات تجري خلف الكواليس ... أنها طريقة سمجة وساذجة للتلاعب بالقضاء وتحويله الى وسيلة لترسيخ الحكم الاستبدادي الفاسد.

إن معيار استقلالية القضاء لاتبرهنه النصوص المكتوبة في الدستور التي تعكس مظاهر نظرية زائفة، والتي تنص على استقلالية السلطة القضائية، وكون المواطنين سواسية أمام القانون وللمحاكم حق مقاضاة جميع الأفراد في الدولة بغض النظر عن مكانتهم الوظيفية والاجتماعية، بل يحق للمحاكم حتى من مقاضاة الحكومة..وغيرها من العبارات المنمقة والرنانة التي لم نجد لها أي اثر حقيقي على ارض الواقع إلا بحدود ضيقة تعتمد الى حد كبير على اعتزاز القاضي باستقلاليته الذاتية وشجاعته ونزاهته لتحقيق العدالة.

المقاعد التعويضية والخروج عن المألوف

 

خالد الخفاجي

Khalid.alkhafaji@yahoo.com

يبدو إن الخروقات الدستورية والقفز على القوانين أصبح نمطا سلوكيا عاديا لا يجوز تصنيفه على انه سلوك منحرف أو عده على انه فسادا سياسيا طالما تمتع الساسة بمزايا هذه الخروقات, حيث لا يفوت الساسة مناسبة إلا واثبتوا  ابتعادهم عن المعنى الحقيقي للديمقراطية, ومحاولة إرساء وترسيخ منهج الاستحواذ ووضع اليد على حقوق الغير وبطرق افعوانية لا تمت للديمقراطية بصلة.

احد ابرز الخروقات الدستورية التي أثلجت صدور الفاشلين في الانتخابات, هو عملية استبدال المقاعد التعويضية للنواب المستازرين, فوجدوا فرصتهم في الزج بأنفسهم أو زج المحسوبين والمنسوبين كبدلاء دون وجه حق, ومن يدري فقد يكون هنالك مزادا قد عرضت فيه هذه المقاعد شبيها بمزاد الوزارات يكون السعر هو معيار المفاضلة في اختيار البدلاء, نافذين من ثغرة قانونية وضعت جهلا او مع سبق الإصرار والترصد ليكون هنالك تناقضا مابين قانون الانتخابات لعام (2006) وقانون الانتخابات لعام (2010) في تفسير البديل من أن يكون من ضمن الكتلة او من ضمن الائتلاف, وفسر الساسة هذه الثغرة بما تمليه عليهم غريزتهم الاستحواذية ووجد البعض منهم انها الفرصة الذهبية لولوج المعترك السياسي مجددا بعد أن اثبتوا فشلهم في الانتخابات ورفض الناخب لهم, فيما فضل بعض رؤساء الكتل على استبدال النواب المستازرين بآخرين ممن  لا تتوفر فيهم أدنى الشروط المطلوبة.

ومع إن قانون الانتخابات لعام (2006) صريح ولا يقبل التأويل حيث جاءت المادة الثانية منه (( أن تكون كل محافظة وفقا للحدود الإدارية الرسمية دائرة انتخابية واحدة, وان تعويض المقعد الشاغر يجب أن يكون من نفس الدائرة الانتخابية, ولمن يلي الفائز في عدد الأصوات مباشرة)), وهذه المادة هي نفسها أعيدت صياغتها في قانون الانتخابات لعام (2010).

وهكذا فان البديل ووفق ما يفسره القانون والمنطق, هو الخاسر الأكبر دون العتبة الانتخابية, ومن الدائرة الانتخابية نفسها, وليس بكونه مرشحا من هذه الدائرة فحسب او من دائرة أخرى على حساب هذه الدائرة, إلا إننا نرى أن البديل قد أصبح امتيازا يخص به أصحاب الحظوة والمقربين من رؤساء الكتل, فقد زج ببديل عن محافظة صلاح الدين بدلا من احد أعضاءها المستازرين بعضو أخر كان قد دخل الانتخابات كرئيس كتلة عن محافظة بغداد ولم يحصل على إلا على بضعة أصوات, واستبدل عضو اخر عن محافظة ميسان بأخر من محافظة البصرة, وآخرون استبدلوا دون أن تتوفر فيهم الشروط القانونية ولم يحصلوا على ما يؤهلهم ليكونوا بدلاءا في مجلس النواب.

ورغم تنصل المحكمة الاتحادية ورفضها إعطاء الفتوى القانونية بذريعة خروجه عن صلاحيات المحكمة وان مهمتها تتحدد في وضع التفسيرات للنصوص الدستورية وحسب, وإعادتها الامر إلى رئاسة مجلس النواب كونه من صلاحياته, إلا إن رئاسة مجلس النواب ومع مرور أكثر من شهر ما زالت لم تبت في الامر لحد ألان, وما زال الأعضاء المستبدلين يتخذون مواقعهم في مجلس النواب وكان الامر بات محسوما لصالحهم, ويبدو إن مجلس النواب سينهي ما بدا به في عملية الاستبدال قبل أن يوقفها رئيس المجلس بسبب الدعاوى المرفوعة ضده من قبل المرشحين الخاسرين المغبونين, خاصة إن الأعضاء المستبدلين هم من أصحاب النفوذ لدى رؤساء الكتل, ومهما ستكون النتائج التي ستتمخض عنها نقاشات مجلس النواب بهذا الشأن, فإنها لن تخرج عن إرادة الكتل السياسية المتنفذة وتوافقاتها, لذلك فان استبدال المقاعد التعويضية يثبت بما لا يقبل الشك, إن مصطلح الديمقراطية في العراق هو شعار يرفع لا يجيد الساسة التعامل معه فكرا وعملا, وان الانتخابات هي وسيلة لإضفاء الشرعية على نظام الحكم وليس لوصول الاصلح. 

إدانة وزير التجارة السابق ... صحوة قضائية أم مناورة سياسية

 

خالد الخفاجي

Khalid.alkhafaji@yahoo.com

22  5  2012

 لا نشك مطلقا بوهن القضاء وتبعيته السياسية والتلاعب بقراراته لتتواءم وأهواء النافذين في الحكم, ولا نتصور إن يأتي قرار إدانة وزير التجارة السابق صحوة ضمير أو استيقاظ من سبات عميق, بل جاء ليؤكد ما ذهبنا إليه بعد طول حماية له, خاصة إن ملفات الفساد التي شابت عمل الوزير لا تشوبها شائبة ولا يختلف عليها اثنين من العراقيين لتماسها المباشر في حياتهم اليومية, ونسب حصولهم من مفردات البطاقة التموينية تمثل ابرز الأدلة الجرمية التي تدين هذا الوزير.

وبعد حماية مطلقة وتدخل واضح في عمل القضاء لحماية الوزير الفاسد وتبرئته من التهم المنسوبة إليه, أعلنت لجنة النزاهة في مجلس النواب "بالأمس" أن السلطات القضائية أصدرت حكما غيابيا على وزير التجارة السابق عبد الفلاح السوداني بالسجن سبع سنوات لإدانته بقضايا فساد, وقضية السوداني بدا التدخل في مجرياتها بإصدار الهيئة القضائية في محكمة تحقيق محافظة المثنى في (السابع من حزيران عام 2009) قرارا بالإفراج عنه بكفالة تبلغ 50 مليون دينار عراقي مع التوصية بمنعه من السفر لحين محاكمته مجدداً, وجاء حكمها بعد أن مثل السوداني الذي ينتمي إلى حزب الدعوة تنظيم العراق أمام البرلمان في (أيار 2009) لاتهامه من قبل لجنة النزاهة البرلمانية بالتورط في قضايا فساد إداري استقال على أثرها الوزير وحاول الهرب خارج البلاد مستخدما جوازه البريطاني في حزيران من العام نفسه وتم اعتقاله في مطار بغداد، واعتقل شقيقا الوزير لضلوعهم في القضايا التي اتهم بها الوزير أيضا, وبعد نقل القضية من محكمة تحقيق المثنى الى محكمة جنايات الرصافة أصدرت هذه المحكمة في (28 آب 2010) حكما ببراءته من تهم الفساد التي وجهت إليه من قبل رئيس لجنة النزاهة النيابية صباح ألساعدي، وهيئة النزاهة، لعدم كفاية الأدلة والحجج المقدمة ضده, وصادقت محكمة التمييز الاتحادية في (2 أيلول 2010) على قرار محكمة جنايات الرصافة، رغم الطعن الذي تقدمت به هيئة النزاهة الذي رد على أعقابه, ثم عادت هيئة النزاهة في (الثاني من أيار 2010) للطعن بقرار محكمة جنايات الرصافة ثانية, وأيضا رد الطعن مرة أخرى رغم وجود أدلة وإثباتات تدين الوزير وبقوة, ومع فساد الوزير الواضح للعيان فقد تمتع بحماية رئيس الوزراء وقبع تحت مظلته, وكانت قضيته سببا لإقصاء القاضي رحيم العقيلي رئيس هيئة النزاهة وإجباره على تقديم استقالته واستبداله بأحد المقربين, ومن ثم إلحاقها برئيس الوزراء لإجهاض دورها في محاربة الفساد ... ولعل السؤال الذي يتبادر الى الأذهان هو: لماذا كان الوزير فوق القانون وتمتع بحصانة مطلقة ضد الأحكام القضائية في ذروة القضية ثم أدين بعد فتورها وتلاشي الآمال في محاكمته بدليل السماح له بالسفر الى خارج العراق ؟

إنها بلا شك مناورة سياسية بائسة تستبق عملية استجواب رئيس الوزراء لإسقاط  أهم الملفات التي تدين تدخله في عمل القضاء وحمايته للفاسدين من أيدي المعارضين في جلسة الاستجواب, أما على ارض الواقع فلا يعني قرار المحكمة شيئا بعد تسهيل هروبه الى الخارج بحصانة جنسيته البريطانية, فلن نرى الوزير وقد قبع خلف القضبان, ولا نحلم في استعادة المال العام المنهوب حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ.

 من يتبع من ؟

 

خالد الخفاجي

Khalid.alkhafaji@yahoo.com

 

 

هل الحكومة تتبع مجلس النواب ؟ أم مجلس النواب يتبع الحكومة ؟ من البديهي ان تتبع الحكومة مجلس النواب فنظامنا ديمقراطي برلماني هكذا يقول الدستور, تنبثق الحكومة من مجلس النواب ويمنحها الثقة بحصولها على الأغلبية وتبقى خاضعة لرقابته, فهو الذي خوله الشعب لتقييم أداءها وتوجيهها وسحب الثقة منها عند الإخلال بالتزاماتها, لكن كيف سيكون الأمر لو لن مجلس النواب يتبع الحكومة ؟ بلا أدنى شك من ان الأمر سيكون حكومة ضعيفة ومجلس اضعف.

تبادل الاتهامات لم ينقطع بين رئيس الوزراء وبين مجلس النواب السابق او اللاحق وحافظت على ديمومتها لتكون سجالا بينهم, آخرها كان تصريح رئيس الوزراء بعدم احقية مجلس النواب في تشريع القوانين في سابقة خطيرة تؤشر الى محاولة سحب صلاحيات السلطة التشريعية وتهميشها وجعلها هيئة تابعة للحكومة وخاضعة لهيمنتها, فلم يعد خافيا على احد حجم تدخل الحكومة في عمل مجلس النواب وعرقلتها في إقرار القوانين او في متابعة ملفات الإخفاق الخطيرة التي فشلت الحكومة في معالجتها, كملفات (الخدمات والفساد والاقتصاد وحقوق الإنسان) وغيرها من الملفات التي انعدمت الرقابة عليها كليا لتزداد تفاقما, وما يساعد الحكومة في ذلك هو انعدام المعارضة البرلمانية واشتراك جميع الكتل في هذه الحكومة حتى بدت أصوات المعارضين القليلة ضعيفة وتكاد لا تسمع, ووفق المنظور الديمقراطي لهذه الحكومة فان من يشترك فيها لا يحق له الاعتراض عليها, وفي أحيان كثيرة أخذ التدخل بعمل مجلس النواب صفة رسمية تصدر عن الأمانة العامة لرئاسة الوزراء بكتب رسمية وتعميمات مثل طلب رئيس الوزراء بعدم إثارة ملفات الفساد المتعلقة بالوزراء السابقين, فالفساد من وجهة نظر رئيس الوزراء التي أفصح عنها أكثر من مرة هي الرشوة التي يتقاضاها صغار الموظفين من المواطنين وحسب وهذا ما يجب معالجته, او التريث في اقرار القوانين ولعل ما يلفت الانتباه في الآونة الأخيرة هو الاجتماعات المنعقدة بين رئيس الوزراء ورئيس مجلس النواب والتي تسبق انعقاد الجلسات التي تتطلب أمرا محددا لتنتهي هذه الجلسات بعكس ما كان مخططا لها, وهذا ما أظهرته جلسة البرلمان المخصصة لاستجواب رئيس الوزراء بسبب العنف المفرط ضد المتظاهرين دون ان يسمح رئيس المجلس للنواب من توجيه الأسئلة لرئيس الوزراء واستجوابه, بل ظهرت الجلسة بحقائق مقلوبة, ولم تكن هذه المرة الأولى التي يحابي بها رئيس المجلس الحكومة والتغاضي عن خروقاتها.

قد تكون الحكومة هي المستفيد الوحيد من عرقلة إقرار القوانين وتعطيل عمل مجلس النواب, لتعمل وفق القرارات الارتجالية ووفق ما تشتهي ووفق صلاحيات (رئيس مجلس قيادة الثورة المنحل) التي آلت صلاحياته من حيث لاندري الى رئيس الوزراء الذي استساغ العمل منفردا دون رقابة في الفترة التي سبقت تشكيل الحكومة الحالية وراح يهدد بحل مجلس النواب متناسيا ان هذا المجلس هو الذي منحه هذه السلطة.

ان عمل الحكومة ونجاحها في أداء عملها يعتمد على قوة مجلس النواب, اما ضعفه فانه حتما سيؤدي الى فشلها لأنها ستعمل دون رقيب موجه ولا مقوم لاداءها   

من سمات ألحكومات الفاشلة,البطالة المقنعة والوظائف الوهمية

 

خالد الخفاجي

Khalid.alkafaji@yahoo.com

 

تنشأ البطالة المقنعة نتيجة لفشل الحكومة في وضع الخطط الاقتصادية التنموية وعجزها عن خلق فرص عمل حقيقية قادرة على امتصاص (البطالة الصريحة) في المجتمع, فتعمد إلى زجهم في دوائر الدولة دون الحاجة إليهم أو في ابتداع وظائف وهمية لأهداف سياسية وخداع الرأي العام بانجازات وهمية زائفة, فالفشل في خلق فرص عمل حقيقية للعاطلين قادها إلى فشل آخر تمثل بترسيخ البطالة المقنعة والتي هي الأخرى تعني فشلا ذريعا أسوأ من سابقه, لما لها من انعكاسات سلبية كبيرة في زيادة الإنفاق الحكومي وفي تحميل الموازنة العامة لأعباء مالية كبيرة هي في غنى عنها لو إنها درست أسباب تفشي البطالة وعالجتها, وكنتيجة حتمية لوجود كادر يفوق الحاجة الفعلية فان ذلك يؤدي إلى نشوء التسيب الوظيفي والإهمال والاتكالية والتسرب من الدوام وتتحول الدوائر العامة إلى أشبه ماتكون بالنوادي الاجتماعية أو المنتديات  ويكون الفساد الإداري دوما مرادفا للبطالة المقنعة.

ويعاني العراق من هذه المشكلة وتفاقمها, فتعطيل المشاريع الصناعية العامة والتي تتميز بكثرة الأيدي العاملة فيها بذريعة الخصخصة قد أخرجهم من الخدمة الفعلية وتحولهم من طاقة منتجة إلى بطالة مقنعة تستنزف موارد الدولة بدلا من أن تكون سببا لزيادتها, كما إن إهمال القطاع الصناعي الخاص والصناعات الحرفية والمتكونة من المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تعتبر شريان الاقتصاد الوطني وتهميش دورها وما لها من دور فاعل في امتصاص حجم البطالة وإخراجها من الخدمة لصالح المنتج الأجنبي ذو السلعة الرديئة,  قد جعل هذا القطاع طاردا للأيدي العاملة بدلا من استقطابها والى غلق الآلاف من هذه المشاريع لأبوابها وإفلاسها, بالإضافة إلى القطاع الزراعي الذي عانى الإهمال من الدولة والفلاح على حد سواء ولينشأ جيش من العاطلين مابين مكشوف ومقنع.

إن استمرار ضياع فرص العمل الحقيقية والتوجه نحو القطاع العام قد جعل البطالة المقنعة تشكل نسب عالية ومخيفة للعارفين بشؤون الاقتصاد تبلغ (70%) من حجم القوى العاملة في القطاع العام ولتشكل أعلى نسبة في العالم, فعلى سبيل المثال, إن حجم العمالة العالمي لإنتاج الطاقة الكهربائية يبلغ (3000 عامل/1000 ميكا واط) إلا إن وزارة الكهرباء وعلى ضوء إنتاجها وفي أحسن الظروف قد يبلغ (6500) ميكا واط, فيكون ماتحتاجه من الأيدي العاملة يجب أن لا يزيد عن (19500) عامل, لكن الواقع يشير إلى وجود (100) ألف عامل فيها وفي وزارة يتقاضى منتسبيها أعلى الرواتب ما بين إقرانهم من موظفي القطاع العام, وهذا يقودنا للبحث عن تكاليف البطالة المقنعة واحتسابها لنكشف حجم المشكلة الحقيقي, فإذا كان حجم العمالة في القطاع العام يزيد على الثلاثة ملايين عامل, وحجم العمالة الزائدة فيه يبلغ أكثر من (70%) أي ما يعادل (2,1) مليون عامل وبمعدل أجور يبلغ (500$) شهريا فان ما تستنزفه البطالة المقنعة من رواتب يبلغ (12,6) مليار دولار سنويا, وإذا ما أضفنا بقية المصاريف التشغيلية الثابتة الأخرى فان ذلك يعني إنها لا تقل عن (20) مليار دولار سنويا, وهذه كارثة اقتصادية بحق كان من الممكن استخدام هذه الأموال الطائلة في عمليات التنمية وخلق فرص عمل حقيقية ومعالجة مشكلة البطالة وهي في طور النشوء بدلا من إهمالها ولتغرق الحكومة نفسها في مشاكل اقتصادية غير محسوبة العواقب, ثم تمتد يدها الى الدعم المخصص للطبقات الفقيرة لارتفاع موازناتها التشغيلية وحتى قبل أن تضع خططها لمكافحة الفقر والحرمان ونظاما فعالا لبرامج العمل الاجتماعي الداعم لهذه الطبقات, لذا فان من الضروري معالجة البطالة المقنعة ووضع الحلول الناجعة لها وتحويلها إلى أيدي مدرة للدخل من خلال الحلول التالية:

1- تفعيل دور القطاع الخاص (الصناعي والزراعي) وحمايته من المنافسة الغير عادلة التي أخرجته من الخدمة الفعلية لصالح الإنتاج المستورد الرديء وتفعيل القوانين الاقتصادية المعطلة, ليعود مستقطبا للأيدي العاملة ويوفر فرص عمل إضافية للذين سيتم التخلي عنهم من القطاع العام لتخفيف العبء عن الموازنة العامة.

2- خلق فرص عمل حقيقية في القطاع العام من خلال تشغيل المشاريع الإنتاجية المتوقفة وتوسيعها وإنشاء أخرى جديدة قادرة على رفع مستوى الناتج القومي (صناعية- زراعية- سياحة وفندقه) لما لهذه المشاريع من قدرة كبيرة على استيعاب البطالة المقنعة التي يمكن المناورة بهم بين هذه المشاريع.

3- تشديد العقوبات الإدارية الرادعة كالطرد والإقالة والفصل من الوظيفة بحق الفاسدين والمفسدين ومن الذين شغلوا مناصبهم دون استحقاق كالمزورين ولتطهير دوائر الدولة منهم والتخلص من أعباءهم المالية وفسادهم.

4- خفض السن التقاعدي, للتقليل من حجم البطالة المقنعة.

5- إبعاد إدارات الدوائر العامة عن المحاصصة الحزبية, وإسنادها إلى أشخاص أكفاء من التكنوقراط, والتي أصبح تبوء المناصب فيها نوعا من التكريم ودون أعمال تنجز, وترتبط بهم مجموعة كبيرة من الوظائف الوهمية والمقنعة (كالمستشارين والخبراء والحمايات وغيرها من المناصب) التي ارتبط وجودها بوجود هؤلاء المسؤولين. 

من يتسلق القمة؟ ومن يدفع الثمن؟

 

خالد الخفاجي

 82 4 2012

القمة العربية باتت قاب قوسين أو أدنى من الانعقاد, ومع اقتراب الموعد يزاد الحشد الإعلامي المدفوع الأجر للترويج عن انتصارات الدبلوماسية العراقية ونجاحات الخطط الأمنية الباهرة ... نجاحات معنوية تبدو إنها ضرورية لمن يعاني الإفلاس السياسي وعقم الانجازات لتضاف إلى سلسلة النجاحات التي قد تحققت بالفعل وفق قياسات النجاح التي يجيد حسابها بعض الانتهازيين.

فالمؤتمر كان مقاولة ناجحة للفاسدين أهدرت فيه (1,25) مليار دولار وفق آخر رقم أعلنت عنه اللجنة المالية النيابية, تكاليف لم يبلغها أي مؤتمر في العالم لا في تاريخه القديم ولا الحديث, تبخرت فيها هذه الأموال الطائلة على مشاريع وهمية لن تجدها إلا في سجلات الفاسدين ووثائقهم, في إصرار عجيب على إفقار الشعب وحرمانه من مقدراته إلى الدرجة التي وصل فيها الأمر إلى مصادرة (500) مليار دينار من صندوق دعم ضحايا الإرهاب وذوي الاحتياجات الخاصة وتحويلها الى (مشاريع مؤتمر القمة).

والمؤتمر كان سببا في عطلة طويلة مدفوعة الأجر لموظفي الدولة ومقطوعة الرزق لمن يسعى لقوت يومه ... أكملتها الخطط الأمنية التي ينفرد العراق في تطبيقها في إحلال الأمن في تقطيع الطرق وعزل المدن, لتلتهب الأسعار في الأسواق وكان نجاحا باهرا لتجار الأزمات واستنزافا لموارد المواطن البسيط ... ونجاحات المؤتمر تخطت الحدود العراقية لتشمل الدول الممانعة في الحضور, فهذا المبعوث الشخصي يصرح في الرياض عن موقف يتناغم تماما مع الموقف السعودي فيما يتعلق بالأزمة السورية ويتضارب تماما مع موقف الحكومة السابق من الأزمة, ومع هذا فان السعودية لم يرتقي وفدها للمؤتمر عن منصب سفير, ونجحت مصر أيضا في الحصول على (408) مليون دولار من الديون المعدومة والمسماة بالحوالات الصفراء ... ونجحت البحرين في إيقاف التأييد الإعلامي للثورة الشعبية فيها مقابل الاشتراك في المؤتمر بوفد بائس ... وكانت الكويت لها ما أرادت وحصة من النجاح أيضا تطلب الأمر الى زيارة خاصة من قبل رئيس الوراء ولا نعلم ماذا ستقدم الكويت للعراق في المقابل, وهنالك حكومات دول الربيع العربي والتي ستسعى لإطلاق الإرهابيين من جنسياتها كنجاح لها في حماية مواطنيها ولكن على حساب أرواح ودماء العراقيين.

ومما يبدو فان معايير النجاح التي وضعتها الحكومة العراقية للمؤتمر تمثل بالاستضافة وحسب وليس في قيادته, وهذا ما دفعها الى مقايضة الحضور بالتنازلات ... تنازلات أضرت كثيرا من موقف العراق السياسي وموقعه على الخارطة السياسية العربية ... وأثبتت ضعف الدبلوماسية العراقية وتقلبها وعدم بلورة موقف محدد تعززه بتفاوضات ثنائية بينها وبين بقية الدول العربية والتي تتطابق رؤاها مع الرؤى العراقية وانحسر تفاوضها في كيفية إقناعهم بالحضور وحسب, وعرضت نفسها الى أبشع أنواع الابتزاز السياسي ... وتخلت عن قيادة المؤتمر لصالح (الجامعة العربية) واكتفت في إدارته, مع علمنا الأكيد إن الجامعة مسيرة من دول هامشية طفت على السطح بغياب القيادات العربية الفاعلة.

قمة بغداد لن تكون بأفضل حالا من القمم الأخرى, إن لم تكن أسواها, وببساطة فان من يستجدي حضور الوفود استجداءا لن يكون له موقف ورأي وكلمة, ومع هذا فإنها ستضاف كنصر آخر من انتصارات رئيس الوزراء لتضاف الى مجموعة انجازاته الوهمية, وقد تكون سببا لعدم إثارة ملفات الفساد الظاهرة للعيان ... فيما يظل المواطن العراقي الذي دفع ثمن نجاحات غيره يبحث عن موقع بلاده الضائع على الساحة السياسية العربية فلن يجده إلا في ذيل قائمتها.

مقومات الاستقرار السياسي وامن المجتمع في العراق الجديد

 

  (2011-05-08م)

خالد الخفاجي

الاستقرار السياسي في العراق شعاريرفع في خطب حماسية ويتغنى به الساسة كنوع من الانجازات الزائفة والمفقودة عناداومكابرة, بل هي اجراءات علمية وعملية يجب ان تقوم بها السلطة الحاكمة والنخبالسياسية على حد سواء وهي تمثل قدرة النظام السياسي على التفاعل مع الازماتوالتعامل الايجابي معها وتوجيهها بنجاح, والقدرة على إدارة الصراعات القائمة داخلالمجتمع بشكل يستطيع من خلاله المحافظة في دائرة تمكنه من السيطرة والتحكم فيها دونالحاجة الى استخدام الوسائل القهرية والاستبدادية التي من شانها ان تفاقم التأزمالسياسي لتنعكس سلبا على امن وأمان المجتمع. فإذا كانت السياسة هي الأساس في إدارةشؤون المجتمع والدولة وهي تتمثل في الاجراءات والطرق المؤدية لاتخاذ قرارات من اجلالمجموعات والمجتمعات البشرية, لذلك فالنظام السياسي المتبع في الدولة هو الذي يحددمدى الاستقرار السياسي في هذه الدولة من عدمه ضمن اجراءات عديدة ومتداخلة لايمكنالفصل بينها ومن

1-
الاجراءات السياسية - في الأنظمة السياسية الديمقراطيةالحقيقية المستقرة يتم التداول السلمي للسلطة عن طريق انتخابات حرة ونزيهة لا تتخللعملياتها التزوير والتلاعب بالنتائج من قبل النخب الحاكمة, ومن خلال دستور واضح خالمن العقد والعقبات وبمواد دستورية غير قابلة للتفسيرات الكيفية والمزاجية وبعيدا عنتهميش او إقصاء الغير, وضمن نظام ديمقراطي يحفظ للإنسان حقوقه الأساسية المدنيةوالسياسية وليست تلك التي تستبد وتقمع الشعب, هذه الاجراءات تساهم في نبذ العنفوتحد من مخاطره الى الحد الأدنى, ومن اجل تحقيق نظام مماثل في العراق, هنالك تحدياتكبيرة تتمثل في غياب الإرادة السياسية لدى الزعماء العراقيين وبقية الساسة فيما يخصالاستقرار السياسي, فقد شاب الانتخابات الكثير من الهنات, وبمواد دستور قابلةللتأويل والتقويض على حد سواء, فالهم الأكبر والمشكلة الأساسية لأغلب الساسة هي فياستقرار مناصبهم واستمراريتها لأطول فترة ممكنة ضاربين مصلحة المجتمع والدولة عرضالحائط, بالإضافة الى افتقارهم للخطاب السياسي الدبلوماسي المؤثر وتعمدهم تازيمالأوضاع السياسية حتى أصبح البعض منهم مصدر إثارة الأزمات والفتن, والسذاجةالسياسية الواضحة في كيفية إدارة شؤون الدولة, ناهيك عن الفساد الذي ضرب بإطنابهأعلى الهياكل التنظيمية والإدارية للدولة في ظل غياب صارخ للأنظمة والقوانينوالأجهزة الرقابية والقضائية, وهذه من اشد المؤثرات السلبية التي تؤثر على استقرارالنظام السياسي في العراق.
وقد نجد في بعض الأنظمة الشمولية تتمتع بالأمنوالاستقرار السياسي, إلا ان هذا الأمن والاستقرار مهدد بالزوال في أية لحظة نظرالاعتمادها في بسط هيمنتها على المؤسسات الأمنية والجيش في حفظ هذا الاستقرار بدلامن كون هذه المؤسسات هي مسؤولة أصلا عن حماية الدولة والمجتمع والمحافظة علىالنظام, حيث ان من عوامل الاستقرار هي في حيادية القوات المسلحة سياسيا ومتى ما أدتالدور المنوط بها جعلت الدولة أكثر أمنا واستقرارا وقابلا للتقدم والنمو والتطور, فغياب حالات الانقلاب العسكري او التمرد العسكري وتدخل الجيش الايجابي لمنع الحالاتالمشابهة يخفف كثيرا من متطلبات تحقيق الاستقرار السياسي, لذلك بات من الضروريتحييد القوى الأمنية وعدم الزج بها في صراعات سياسية جانبية واستخدامها كوسيلةللبطش والترهيب.
2-
الاجراءات الاقتصادية - ان دور الاقتصاد مهم للغاية في عمليةتحقيق الاستقرار السياسي, وغالبا ما ارتبط امن المجتمع بالحالة الاقتصادية السائدةفيه, فتحقيق النمو الاقتصادي الملموس والحد من الفقر والبطالة والتضخم والتوزيعالعادل للثروات ومنع استئثار النخب بالاقتصاد الوطني ومعالجة التباين الطبقي وتوزيعالثروات من شان ذلك من دون شك المساهمة الفاعلة في تحقيق الاستقرار السياسي, أما مانشهده اليوم من تدني وتراجع المستوى المعيشي وارتفاع نسبة خط الفقر والبطالة وتباينالأجور والرواتب والاستئثار بالمال العام فان ذلك يؤدي الى ارتفاع معدلات الجريمةبشكل طردي, ومن ثم الاستياء العام الذي يهدد الاستقرار الاجتماعي ويؤدي الى زعزعةالنظام السياسي للدولة وقد يحدث ما لا تحمد عقباه.
3-
الإجراءات الأمنية- وهيالإجراءات التي تؤدي الى تركيز الأمن للفرد وليس للدولة, وأية سياسة أمنية يجب انيكون الهدف الأساسي منها هو تحقيق امن الفرد قبل امن الدولة, إذ قد تكون الدولة هينفسها مصدرا من مصادر تهديد الأمن لمواطنيها, إذا على المواطن ان يشعر بالأمنوالطمأنينة والتحرر من الخوف المزمن تجاه الدولة الذي نتج عن بطش وإرهاب الأجهزةالأمنية للنظام السابق, ليتخطى مرحلة التفكير في سلامته الشخصية ومن ثم ينتقل الىالتفكير في كيفية المحافظة على امن دولته, والتفكير الايجابي الهادف الى التقدموالتطور الاجتماعي والسياسي والاقتصادي, فالأمن كما يعرفه البروفسور (باري بوزان) وهو احد المتخصصين في امن المجتمع هو (العمل على التحرر من التهديد والخوف) ومن شانتحرر المواطنين من التهديد المباشر وغير المباشر من قبل الدولة دفعهم الى الولاءالحقيقي للدولة والذي ينتج عنه تنامي الإرادة الإنسانية للبناء والتطور.
4-
الاجراءات الثقافية - ان الاجراءات الثقافية تأخذ جانبين مهمين للغاية يجبمراعاتهما من قبل الدولة لبناء الأجيال وتنشئتها نشأة وطنية بعيدة عن التعصب القومياو المذهبي وهي :
ا- العناية بحضارة وتاريخ وتراث العراق والعناية بالأعرافوالتقاليد الوطنية وتشجيعها وغرسها في نفوس النشء الجديد لخلق روح التالف حول قضايامشتركة لدى المواطنين وتنمي الشعور بالانتماء لمجموعة اجتماعية مترابطةواحدة.
ب- إعداد المناهج الدراسية الوطنية المعدة بعناية فائقة ونشر ثقافةالسلام والتسامح والإخاء مابين العراقيين جميعا واحترام الرأي والرأي الآخر واحترامالاختلاف وتربية الأجيال الجديدة تربية وطنية صحيحة تغرس في نفوسها حب الوطن, ودعمالمراكز التربوية وضمان التحصيل العلمي والمعرفي للوصول بالجيل الصاعد الى مراتبالرقي الحضاري والثقافي الذي ينبذ العنف والتشتت الذاتي.
علينا ان ندرك إذا انالأمن الوطني الشامل والذي يؤدي بدوره الى الاستقرار السياسي المؤدي حتما الىالتطور والتقدم وتحقيق الرفاه الاجتماعي والاقتصادي, هو الهدف من كل السياساتالأمنية للدولة, وعلى الدولة وضع هذا الهدف نصب عينيها وتسعى لتحقيقه بشتى الوسائلوعلى القادة والشعب تحمل مسؤولياتهم والتحلي بالإرادة الوطنية لتحقيق الأهدافالسامية للديمقراطية واحترام الدستور وعلى الجيش حماية الدستور والمجتمع من النخبالطامعة في السلطة, أنها مسؤولية مشتركة ولن تكتمل إلا بتحمل كل طرف لمسؤولياته بصدق وإخلاص

معتقلون ومعتقلات ... الغزلاني انموذجا

 

خالد الخفاجي

رئيس الرابطة الوطنية للمحللين السياسيين

Khalid.alkhafaji@yahoo.com

 

بديهيا ان الهدف من انشاء السجون هو لعقاب المجرمين بعزلهم عن المجتمع وحمايته من اخطارهم، والعقاب هنا هو اجراء جنائي يتضمن إيلاما مقصودا يقرره القانون بحسب مبلغ الجرم يوقعه القاضي على من تثبت مسؤليته عن جريمة، والسجون هي مراكز تهذيب واصلاح لتأهيل النزلاء واعادتهم ثانية الى المجتمع بعد انقضاء محكوميتهم لممارسة حياتهم الطبيعية فيه، ولكن هذه السجون يمكن ان تكون مصدر قلق للمجتمع فترتد بنتيجة عكسية وتخلق افرادا متمردون تتملكهم نزعة الحقد والانتقام بحق المجتمع الذي تنكر لمظلوميتهم وقابلها بالصمت واللامبالاه عندما يتفشى في هذه السجون الظلم والاضطهاد ويقبع فيها الابرياء دون وجه حق.

مع ان بيانات معتقل الغزلاني الرسمية في محافظة نينوى ألتي حصلنا عليها لا تختلف كثيرا عن الاحصاءات الرسمية لبقية السجون في العراق، الا ان المتفحص لهذه البيانات والمتعلقة بعدد النزلاء واتهاماتهم تبعث على الخوف والقلق، والشعور بان السجون والمعتقلات العراقية هي اخر مكان تطبق فيه المعايير الدولية في حقوق الانسان في هذا المجال. 
 في سجن الغزلاني يقبع (12) الف نزيل، (80٪) منهم متهمين بوشاية المخبر السري، فما زال المخبر السري ذراع الحكومة الضارب وذريعتها في زج الابرياء في السجون، رغم ما اعلنته قبل اكثر من عام عن الغاء فقرة المخبر السري من قانون العقوبات وإصدار عفو خاص عن المعتقلين ممن اتهموا تحت طائلته، الا ان الاجراءات العملية ظلت مرهونة بتقلبات العملية السياسية وازماتها المستدامة، وظل المخبر السري يشن صولاته المشؤومة بلا وازع من ضمير بحق الابرياء.

من بين عدد المعتقلين هناك (40-50٪) منهم صدرت بحقهم اوامر افراج قضائية، ولكن لم يطلق سراحهم لدواعي امنية تحت مسمى "السجن الاحترازي"، اي السجن لمجرد الشك، والسجن الاحترازي لا يطبق في كل دول العالم الا في اسرائيل بحق الفلسطينيين والعراق بحق مواطنيه، اما بقية المعتقلين فلم يقدموا أصلا للقضاء لمساومة ذويهم وابتزازهم، وهنا تتلاشى استقلالية القضاء العراقي وتلتصق به شئنا ام ابينا تهمة التبعية والخنوع لرغبات ألاجهزة الامنية، والتي من المفترض ان تكون هي اجهزة تنفيذية تطبق الاوامر القضائية فقط.

اما المحكومون في هذا السجن فان غالبيتهم هم من ابناء الوسط والجنوب تمت محاكمتهم بتهم مختلفة (33٪) منهم حوكموا بوشاية المخبر السري، وهذه طريقة شائعة في سجون العراق وفي ايداع النزلاء بعيدا عن ذويهم لقطع اي اتصال بينهم امعانا في اذلالهم وامتهان كرامتهم، وقبل فترة قصيرة تم نقل (180) سجينا من احد سجون بغداد السرية الى هذا المعتقل بالطائرات، مع استيفاء مبلغ (500 دولار) من ذوي المعتقلين كاجور تذاكر السفر بالطائرة !!!

هذه حالة لمعتقل واحد، الا انها يمكن ان تكون عامة على جميع سجون ومعتقلات العراق وما يكابده المعتقلين فيها من اجراءات تعسفية سواء من الاجهزة الامنية او القضائية، حتى دخلت معاناتهم المعترك الانتخابي وتذكر وزير العدل معاناتهم في خطاب دعائي لا يملك الرغبة في تطبيقه بنقل المحكومين الى مناطق سكناهم، ثم أعاد مجلس الوزراء التذكير ثانية بالغاء دور المخبر السري، وهذه كلها لن تخرج عن اطار المزايدات الاعلامية واستغلال المواقع الرسمية في الدعاية الانتخابية، وسيظل المعتقلين يطويهم النسيان مالم تكن هناك صحوة ضمير واسعة لفضح اساليب الحكومة القمعية التعسفية بحقهم وأطلاق سراح الابرياء منهم وتعويضهم عن سنوات اعتقالهم.  

هيئة النزاهة ... أول الغيث

 

خالد الخفاجي

Khalid.alkhafaji@yahoo.com

 16  4 2012

لم يخفي العارفين بخفايا الأمور وظواهرها قلقهم من ربط الهيئات المستقلة بمجلس الوزراء وانتابهم الكثير من الشك والارتياب بالأهداف المضمرة من هذا الإجراء خاصة انه يجافي كثيرا وأحكام الدستور والهدف من إنشاء هذه الهيئات واستقلاليتها.

ثم جاءت استقالة القاضي (رحيم العقيلي) لتحمل في طياتها الكثير من التساؤلات عن مدى جدية الجهات السياسية المتنفذة في مكافحة الفساد هذا إن غضضنا النظر عن سعيها عامدة لترسيخه وشيوعه, وعن الضغوط التي تمارس من هذه الجهات لعرقلة عمل الهيئة, ويعود بنا في الذاكرة الى رؤساء الهيئة منذ تأسيسها ولحد ألان, فالرئيس الأول القاضي (راضي الراضي) ولى هاربا الى الولايات المتحدة وبصحبته الآلاف من الوثائق والمستندات التي تشير الى فساد كبار المسؤولين ولم تتخذ الإجراءات القانونية والقضائية بحقهم ووضعها أمام الكونغرس, اما الرئيس الثاني لهيئة النزاهة (موسى فرج) فقد استقال أيضا مجبرا من منصبه بعد أن اصطدمت جهوده في مكافحة الفساد بالحصانة التي يتمتع بها كبار المسؤولين, ومحاولة توجيه جهود الهيئة لمحاربة صغار الفاسدين واستثناء حيتان الفساد الكبيرة من إجراءات الهيئة, ولعل القاضي (رحيم العقيلي) كان أكثر وضوحا في تشخيص أسباب تفشي الفساد وفشل هيئته في مكافحته التي عزاها الى التدخلات السياسية وتمترس الفاسدين خلف أحزابهم التي وفرت الحصانة لهم وعرقلت الملاحقات القضائية بحقهم,وليس أدل من ذلك قضية وزير التجارة السابق (عبد الفلاح السوداني) وتبرئة ساحته من قبل محكمة جنايات الرصافة رغم انف هيئة النزاهة وأدلتها الدامغة ولم ينفعها قرار الاستئناف بشيء, وقرار إلقاء القبض بحق الوزير بالوكالة (صفاء الدين الصافي) وإلغاءه من قبل المحكمة الاتحادية بذريعة عدم استيفاءه الشروط القضائية ثم عادت وألغت امرأ آخرا بحقه لنفس السبب, غيرها الكثير والكثير من قضايا الفساد التي يقوم بها كبار المسؤولين من وزراء ومدراء عامون ومحافظين وغيرهم وقفت الحكومة حائلا للحؤول دون اتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم.

وإذا ما كنا أكثر دقة في تحدي المسؤولية المباشرة في عرقلة عمل الهيئة, فان ذلك يقودنا بالتأكيد الى السياسة التي ينتهجها رئيس الوزراء(نوري المالكي) في حمايته للفاسدين والمفسدين (خاصة أولئك الذين ينضوون تحت لواء ائتلاف دولة القانون) ومحاولة إلقاء تبعات تفشي الفساد على عاتق هيئة النزاهة, فقد حاول عرقلة إقرار قوانين مهمة تتعلق بمكافحة الفساد في مجلس النواب وبكتب رسمية مثل قانون هيئة النزاهة وقانون المفتشين العموميين وقانون الرقابة المالية,وحاول أيضا الإبقاء على المادة (136/ب) التي توفر الحصانة للمسؤول الفاسد وعدم إلغاءها في مجلس النواب بل وحثه لرئيس الجمهورية على نقضها بعد إلغاءها رغم انه لا يتمتع بحق النقض... إذا لا يمكن لنا مطلقا أن نشير الى حالة الفساد بمعزل عن السياسة التي يتبعها رئيس الوزراء في عرقلته إقرار القوانين وتعطيلها وحمايته المكشوفة في حماية الفاسدين حيث لا يمكن لأي جهة رقابية او قضائية أن تقوم بأداء وظيفتها وهي مكبلة بكل هذا الكم الهائل من التدخلات المتنفذين في الحكم.

لقد كان ربط الهيئات المستقلة برئيس الوزراء خطا فادحا رغم التبريرات الواهية التي سيقت في حينها,لذلك فان استقالة القاضي (رحيم العقيلي) هي أول الغيث لتغيير الهيكل الإداري لهذه الهيئات بما يتناسب ومصلحة رئيس الوزراء وحرفها عن مسارها الوظيفي الحقيقي واستخدامها لتقوية النفوذ او لتسقيط الخصوم السياسيين وتكون أداة بيد الحزب الحاكم تقصي من تشاء وتحمي من تشاء ولتكون واجهة ديكورية من واجهات الديمقراطية الزائفة إلغاءها وتوفير تخصيصاتها المالية أفضل بكثير من الإبقاء عليها.  

هواجس القوة المتداعية وهستيريا الاجتثاث

الخميس, شباط 21, 2013

خالد الخفاجي

ليس ثمة من يعجز من رصد مكامن القوة التي يتمتع بها المالكي والمستمدة من الصلاحيات الواسعة التي تتمتع بها السلطة القضائية والحصانة المطلقة التي منحت لرئيسها "مدحت المحمود" بفعل قرارات الحاكم المدني التي خولته لان يكون مهندس العملية السياسية يصممها كما يشاء لا صوت يعلوا على صوته ومكنته من مصادرة صلاحيات بقية المؤسسات الدستورية وتطويعها لصالح المالكي وتمكينه من بسط هيمنته ونفوذه عليها, فكان قرار الاجتثاث بمثابة ضربة قاصمة لمكامن قوته ووقعه جسيما تجاوز فيه الخصوم كل الخطوط الحمراء وانعكس في الإجراءات المضادة التي اتخذها ضد هيئة المسائلة والعدالة واثبت بما لا جدال فيه حالة التخبط التي تسود قراراته الانفعالية التي لا تستند إلى قانون أو دستور, ويقدم لنا دليلا مضافا على شخصنه السلطة القضائية ووهن استقلاليتها. هواجس تداعي قوة المالكي قبل أوانها وفقدان خدمات "مدحت المحمود" وخبرته الواسعة في قولبة القوانين وتسخيره للسلطة القضائية في صناعة الأنظمة الاستبدادية, تجلت في تعطيل قرار الاجتثاث منذ سنة "2006" وتجلت أيضا في تعطيله إقرار قانوني المحكمة الاتحادية ومجلس القضاء الأعلى بإرساله طلب في (الرابع من نيسان 2011) إلى مجلس النواب للتريث في تشريع خمسة قوانين مهمة من ضمنها قانوني المحكمة الاتحادية ومجلس القضاء الأعلى وما زال ائتلاف المالكي يعرقل إقرار قانون المحكمة الاتحادية وتهديده باللجوء إلى المحكمة الاتحادية لنقضه للإبقاء على تشكيلتيهما اللاشرعية خاصة المحكمة الاتحادية التي يترأسها "مدحت المحمود" لجسامة الدور الذي تلعبه في رسم طبيعة نظام الحكم والصلاحيات الواسعة التي تتمتع بها, ولا بقاءه أطول فترة ممكنة في رئاستها للإفادة من خدماته, حيث تختص المحكمة الاتحادية وفق المادة (93) من الدستور بالرقابة على دستورية القوانين والأنظمة النافذة, وتفسير النصوص الدستورية, والفصل في القضايا التي تنشأ عن تطبيق القوانين الاتحادية، والقرارات والأنظمة والتعليمات، والإجراءات الصادرة عن السلطة الاتحادية، والفصل في المنازعات التي تحصل بين الحكومة الاتحادية، وحكومات الأقاليم والمحافظات والبلديات والإدارات المحلية والمنازعات التي تحصل بين حكومات الأقاليم أو المحافظات, والفصل في الاتهامات الموجهة إلى رئيس الجمهورية، ورئيس مجلس الوزراء والوزراء، والمصادقة على النتائج النهائية للانتخابات العامة لعضوية مجلس النواب, وقراراتها باتة وملزمة لكافة السلطات, ومن هنا تتضح القوة التي يتمتع بها المالكي مع وجود "المحمود" في رئاسة المحكمة الاتحادية, ومن المفارقات الخطيرة التي انتهك فيها الدستور والقانون جهارا على يد "المحمود" تتجلى عندما عين نائبه في محكمة التمييز رئيسا لها خلافا للدستور الذي يشترط التصويت في مجلس النواب على تعيين رئيس وأعضاء محكمة التمييز, بالإضافة إلى احتفاظه برئاسة مجلس القضاء الأعلى  بجانب رئاسته للمحكمة الاتحادية وهذا أيضا يخالف قانون مجلس القضاء الأعلى الذي أصدره "بريمر" وينص على أن رئيس محكمة التمييز يجب أن يكون هو ذاته رئيس مجلس القضاء الأعلى ... ومن هنا يتضح مدى الاستخفاف بالدستور والقوانين من قبل السلطة القضائية التي من واجباتها صيانة الدستور وحمايته من الخرق, وعلى عكس المالكي الذي الذي انتابته حالة هستيرية أفقدته توازنه على وقع اجتثاث "المحمود" وأطلق العنان لتصريحاته واتخذ من الإجراءات ما هو خارج نطاق صلاحياته وألغى دور هيئة المسائلة والعدالة ومجلس النواب ليحتفظ بصدامي حد النخاع, تقدم "المحمود" واثق الخطوة يمشي ملكا لهيئة التمييز وقدم طعنا ليرد بالإجماع خلال يوم واحد, فقد حصن دفاعاته جيدا بقضاة توابع اختارهم بعناية فائقة وزج بهم في كل المؤسسات القضائية لم يتوانوا حتى من إغلاق محاكمهم والتظاهر بناءا على أوامره ضد النائب "صباح ألساعدي" فهو صاحب السلطة المطلقة يولي من يشاء ويقصي من يشاء. "المالكي" ما زال بحاجة "المحمود" لذلك فهو لم يجد وثيقة واحدة لصاحب البيعة الأبدية تدينه, ولا يرى في كونه عضو قيادة شعبة تجعله بعثيا, ومن المحال أن تكون رئاسته لمجلس شورى الدولة تجعله صداميا, ولا حتى اقتراحه وتشريعه لقانون قطع آذان الجنود الهاربين ووشم جبينهم تجعله مجرما بحق الشعب العراقي والإنسانية, ولكنه وجد إن مقتل ابنه الوحيد تمنحه الحصانة ضد الاجتثاث, ووجد ان ما قدمه من خدمات توجب الدفاع عنه وحمايته, فما زالت الرغبة الجامحة للاحتفاظ بعرش الحكم تتطلب ترجمة الرغبات إلى تفسيرات دستورية ومازالت الكثير من القوانين تنتظر ان يضع "المحمود" لمسته السحرية عليها قبل أن يقر قانون المحكمة الاتحادية ويزاح عنوة عن منصبه الذي لم يزحزحه منه حتى قانون التقاعد الإجباري الذي استحقه منذ أكثر من عشرة أعوام. 

 

وزارة البيئة وشهادات البراءة المزيفة

 

خالد الخفاجي

Khalid.alkhafaji@yahoo.com

 8  6  2012

 

وزارة البيئة ما أن يطرق هذا الاسم على الأسماع حتى يتبادر الى الذهن بأنها تلك الوزارة الوهمية التي لا قيمة لها في العراق أوجدتها ضرورات المحاصصة والحاجة الى المزيد من المناصب الوهمية لمنحها للمحسوبين دون وجه حق نظرا لتقاعسها وعدم أهليتها في أداء الواجبات المناطة بها ... بالرغم من إن حجم المخاطر البيئية التي تتهدد البيئة العراقية يجعلها لا تقل أهمية عن وزارة الصحة أو حتى عن وزارة الدفاع إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار إن البيئة هي سلاح خفي فتاك يمكن بواسطتها فتح أبواب الجحيم على مصارعيها ونشر أمراض وأوبئة لا اسم لها ولا عنوان حتى في أحدث قواميس الطب, وحبس المطر وتلاشي المساحات الخضر وتصحر وموت بطيء يفتك بالحرث والنسل ... ولهذا فان من يتصدى لموضوع البيئة ينبغي أن يكون من أهل العلم والحزم والعزم, يسيح في ارض بلاده في كل زواياها وثناياها ليكون كابحا ومصدا وساترا عاليا وناقوسا يقرع بشدة للتنبيه الى ما يحيق بنا من مخاطر.

إلا إن وزارة البيئة تقطع الشك باليقين من إنها وزارة وهمية ولا أهمية لها, ولا شان لها بما يجري على ارض الواقع لا من قريب ولا من بعيد, حيث أطلت علينا هذه الوزارة مؤخرا بدراسة جديدة أثارت فيها السخرية والتقزز مع, أعدتها كوادرها المتقدمة وهي لصيقة كراسيها ودون أن تبرح مكاتبها, لتكتشف إن العراق هو من اقل دول المنطقة تلوثا بالإشعاعات وان مايشهده العراق منذ عام (1991) من تشوهات ولادية وأمراض سرطانية وحالات مرضية غريبة لم تنجم عن اليورانيوم المنضب وإشعاعاته المميتة, وإنما بسبب عوادم السيارات والمولدات ومعامل الطابوق وسوء التغذية ... تصريحات لا مسؤولة لا تنم عن جهل فحسب, بل وتجعلنا نتساءل عن المغزى الحقيقي من تبرئة ساحة القوات الأميركية من جرائمها بحق العراقيين وإلقاءها لمئات الآلاف من القنابل والقذائف والصواريخ المصنعة من اليورانيوم المنضب المحرم دوليا, وهو مايعادل بتأثيراتها الإشعاعية (سبعة) أضعاف تأثير القنبلة الذرية التي ألقيت على مدينة (هيروشيما) اليابانية, وتضرب عرض الحائط لمئات التقارير والدراسات العراقية والدولية التي أكدت ترك هذه الإشعاعات لأثارا سلبية على الإنسان والحيوان والنبات والماء والتربة ولعل تلوث نهر الحسينية بالإشعاعات النووية في مدينة (كربلاء) الذي بطن بأتربة أخذت من موقع عسكري قصف منذ عام (1991) يبين بما لا يقبل الشك زيف دراسات هذه الوزارة, ناهيك عن التأكد تماما من استخدام الولايات المتحدة لغاز (الكيميتريل) المرعب في جنوب العراق أثناء حرب الخليج الثانية عام (1991) وهذا أدى الى ظهور حالات مرضية غريبة وزيادة كبيرة في عدد وأنواع الأمراض السرطانية في جنوب العراق وخاصة في مدن (الفهود/الناصرية) ومدن (أبو الخصيب والحيانية والمدينة/البصرة) وظهرت أعراض مشابهة حتى بين الجنود الاميركان الذين شاركوا في الحرب ضمن هذه المناطق أطلق عليه الأطباء الاميركان مرض (لعنة العراق) ولا نعتقد بأنه ناجم عن سوء التغذية وإنما ناجم عن الميكروب المصاحب لهذا الغاز, ومن آثاره أيضا إحداث تغيرات مناخية أدت الى احتباس المطر والتصحر في مناطق الجنوب, والتقارير الدولية تشير الى إن إسرائيل التي تعمل على تطوير هذا الغاز الفتاك واكتشف أمرها عند تجربته في الأجواء المصرية كانت قد سعت لاختباره في الأجواء العراقية أو الأفغانية, ومن يدري فقد تكون الأجواء العراقية قد أصبحت ساحة لاختبار الأسلحة الإسرائيلية ووزارة البيئة تغفو في سبات عميق وقد تجد التبريرات لتبرئتهم.

هذه العينة من المسؤولين في وزارة البيئة هي ليست الحالة الشاذة بينهم, بل إنها تكاد تكون هي القاعدة التي تحاول دائما طمس الحقائق وتقديمها مشوهة للرأي العام ... فأي معنى أكثر مدعاة للخجل من تصريحات هؤلاء المحسوبين لنا وهم علينا؟ ... الوزيرة السابقة كان ديدنها إنكار أي شكل من أشكال التلوث البيئي والإشعاع النووي خاصة عندما يتعلق الأمر بالقوات الأميركية, وكان الاستئزار بالنسبة لها لا يعدو كونه منصب وجاهي انصرفت عنه لتوافه الأمور, أما الوزير الحالي فلن يكون بأفضل حالا منها, ونتذكر الموقف المخزي للناطق باسم الوزارة ورأي الوزارة فيما يتعلق باعتزام الكويت إنشاء مفاعل نووي على جزيرة (وربة) التي لا تبعد سوى (500) متر فقط عن مدينة (أم قصر) العراقية المأهولة بالسكان, ومع إن القوانين الدولية تشير الى إن المفاعلات النووية يجب أن تبتعد عن اقرب تجمع سكاني أو الحدود الدولية بما لا يقل عن (30) كلم, إلا إن هذا المصدر وافق وبارك وأثنى وشكر الكويت على إقامتها هذا المفاعل في هذه المنطقة ... موقف غريب من مسؤول من المفترض أن ينطق باسم وزارة تحمي مواطنيها من أخطار كهذه ويتقاضى راتبا من العراق على هذا الأساس وليس من دولة أخرى.

إن حجم المخاطر البيئية التي تتهدد العراق يتطلب إعادة النظر بهذه الوزارة وبمن يتولى زمام أمورها وإعادة هيكلتها والتخلص من كوادرها المتخلفة ومحاسبتهم على إصرارهم على تشويه الحقائق وطمسها بطريقة تثير الشكوك والارتياب بمدى ولاءهم لهذا الوطن ... أما بقاءها كوزارة تدار بهذه الطريقة فان إلغاءها وتحويل صلاحياتها الى مديرية تتبع وزارة الصحة أمر لا مناص منه برغم التحديات الهائلة التي تواجهها البيئة العراقية لان أضرار مسؤوليها أكثر من منافعها.

نواب الهذيان

 

 

خالد الخفاجي

Khalid.alkhafaji@yahoo.com

 

 15 7 2012

 

من الطبيعي ان يغيب الشخص عقليا عن محيطه الخارجي بعد مداخلة جراحية تحت تأثير المخدر, وما أن يخرج من غرفة العناية والإنعاش حتى يتلفظ بالكثير من الكلمات غير المتزنة أو المترابطة، وتستمر حالة اللاتواصل والغيبوبة العقلية عن محيطه وينفلت لسانه من عقاله في حالة من حالات الهذيان.

وإذا كان هذيان الأفراد على قاعدة الإضرار يؤثر بالمحيط على أضيق نطاق، ومحكوم بزمن محدد ينتهي بزوال تأثير المخدر, فإن هذيان الساسة هو الأكثر خطورة على المجتمع، وخروجه عن المنطق العقلاني وتسويقه من ألكتل والأحزاب السياسية التي تجد فيه الوسيلة المناسبة للسيطرة على العقول تحت شعارات العلاج والمعالجة، وفرصة سانحة لاستخدام المزيد من أنواع المخدر لجعل حالة الهذيان في ديمومة مستمرة وايصال المجتع إلى غيبوبة طويلة الأمد يفقد معه كل شعور بالحاضر، بل وجعله يعيش في أحلام يقظة أبعد ما تكون عن المنطق والعقل, وإذا كان الكثير من الساسة قد فقدوا الإحساس بالمسؤولية والشعور بالمعاناة الجمعية, فان كثير منهم يعيشون خارج المنطق والعقل أي في غيبوبة الهذيان, ولربما تتسلل إلى مخيلتهم بان محيطهم هو في غيبوبة وهم الأصحاء وعلى محيطهم الإنصات لهذيانهم دون أن تكون لهم الرغبة في استفاقتهم وتواصلهم مع الأحداث عقليا وجسديا لتكون تلك هي الطامة الكبرى.

ويبدو ان النائب سامي العسكري بما يدل على غيابه عقليا عن واقع الأحداث وعلينا تحمل هذيانه في تحليلاته للواقع السياسي وهجومه على هذا الطرف أو ذاك, فلم يكد العسكري أن يستفيق من غيبوبته حتى هاجم المرجعية الدينية وحتى انه لم يجد ما يمكن مهاجمتها فاتهمها بالحيادية مما يجري على الساحة السياسية من أزمات برع ائتلافه في صناعتها, وقد نجد له العذر فما زال تحت تأثير المخدر وعندما يستفيق سيعلم إن المرجعية لم تكن محايدة مطلقا مما يجري وأعلنت موقفها منذ زمن بعيد عندما أوصدت الأبواب بوجه حكومته وأعلنت استياءها وتذمرها من سوء اداءها ورفضت استقبال أي من المسؤولين مرارا وتكرارا, والعسكري قبل ذلك خرج ألينا بنظرية اقتصادية غريبة في معنى الترف الكهربائي التي طرحها في مجلس النواب عند مناقشة رفع أجور الكهرباء أعيانا البحث في فك طلاسمها وحل ألغازها, حيث وجد إن البعض يسارع إلى إطفاء الأجهزة الكهربائية عند تشغيل المولدات الخاصة, وتشغيلها مع الكهرباء الوطنية ويبلغ به الحرص على أموال الدولة إلى اعتبار مصباح الحديقة هو نوع من الترف الذي يجب أن تضاعف عليه أجور الكهرباء, ومن المؤكد انه عندما يستفيق من غيبوبته سيكتشف إن الفقير لا طاقة له على دفع تكاليف المولدات الخاصة فيستغني عن الكثير من الأجهزة الكهربائية ويسارع إلى تشغيلها ليس ترفا بل لانجاز أعماله التي اجلها انقطاع الكهرباء, وما زال العسكري يشتط في الهجوم ليشمل حتى حلفاءه الذين يشكلون العمود الفقري لائتلاف دولة القانون وسبب بقاء حزبه في الحكم فينتقد زيارة السيد مقتدى الصدر لاقليم كردستان وجهده في إنهاء الأزمة السياسية المتجذرة والتي جاءت بطلب من المالكي نفسه للتوسط بينه وبين الخصوم ولاقت تأييد واستحسان جميع الأطراف السياسية, ولعل القاءه باللائمة على الاميركان في عدم تدخلهم لفض الاشتباك بين الكتل السياسية وترك الساحة السياسية متخمة بالازمات ينسف تبجح ائتلافه من انه كان السبب لانهاء الاحتلال وسحب القوات الاميركية من العراق .

 

إن هذا النوع من الهذيان لا يندرج تحت أي نوع من أنواع المنطق فهي هواجس مفككة، متناقضة، متضاربة، لا عقلانية، خصوصاً مع وجود أخطر أنواع المخدر وأشدها تأثيراً، وهذا المخدر هو مزيج من صراع على السلطة والنفوذ ، تحت عديد من الشعارات والرايات الموظفة بدقة متناهية، وهو ما يستخدمه رؤساء بعض الكتل السياسية في حقن (قيادييهم) وابقاءهم في غيبوبة 

هذا الوزير ... لمن ولاءه ؟

 

خالد الخفاجي

Khalid.alkhafaji@yahoo.com

 22 8 2011

رغم أهميتها فقد سقطت وزارة الخارجية من حسابات الكتل السياسية وصراعاتها في اعتبارها من أهم الوزارات في الحكومة قاطبة واغفل دورها, فأهمية الوزارات في العراق في ظل ارتفاع مؤشرات الفساد, تكمن في حجم التخصيصات المالية المخصصة لها, او في حجم الإيرادات التي تدرها هذه الوزارة او تلك, وهذه هي المعايير التي تحدد قيمة الوزارة في بورصة الوزارات العراقية.

تعد وزارة الخارجية الوزارة الأولى في كل دول العالم, وتبرز أهميتها في رسم العلاقات الخارجية للدولة, وفي بذل الجهد الخلاق للحفاظ على مصالح الدولة ورعاياها في المحافل الدولية, ويتم اختيار وزيرها ووكلاءه وسفراءه بل وحتى صغار الموظفين فيها بعناية بالغة كونها مرآة عاكسة لصورة الدولة.

إلا إن متابعتنا لعمل وزارة الخارجية العراقية يتضح وبما لا يقبل أدنى شك من سوء الاختيار لوزيرها ووكلاءه واغلب سفراءه, فإذا ما تجاوزنا الفئوية التي طغت على الوزير وأضحت منهاج عمله, والفساد بكل أنواعه الذي أزكمت رائحته الأنوف خاصة الفساد الأخلاقي الذي اكتنف عمل السفارات في الخارج بتعمد واضح لتشويه سمعة العراق, فإننا أمام معضلة اشد وطأة من مما سبق, ألا وهي الإيغال بالتفريط بحقوق العراق ومصالحه والتبرمك لهذه الدولة او تلك والتي تأتي بالضد تماما لما تتطلبه المصلحة الوطنية, وآخر ما طفا الى السطح من مواقف هذه الوزارة ووزيرها المشينة, هو ما يتعلق بميناء (مبارك الكبير) الكويتي, فبعد تشخيص الخبراء والمعنيين للأضرار الجسيمة التي سيتسبب بها هذا الميناء وبدلا من تبني مواقف الحكومة العراقية, يتصرف ممثل وزارة الخارجية المنتدب ضمن لجنة مع خبراء وزارة النقل المرسلة الى الكويت بتجاهل متعمد للمصالح العراقية ويتناقض تماما مع ما أوكل إليه من مهام ويتناقض مع موقف المختصين في وزارة النقل, والأدهى من ذلك يقوم بتوقيع مذكرة يتبنى فيها كل وجهات النظر الكويتية قبل الرجوع الى الحكومة العراقية ليضع الحكومة أمام الأمر الواقع ويكون موقف الخارجية موقفا رسميا بعد أن رفع وزيرها مذكرة الى مجلس الوزراء بتبني الأفكار الكويتية بعد عودة اللجنة مباشرة, هذا الوزير وطاقمه طالما استماتوا في الدفاع عن التجاوزات الكويتية بحق الصيادين العراقيين والدأب على اختلاق الذرائع الواهية لتبرير هذه التجاوزات تجعلنا نستذكر بعضا من تصرفات هذا الوزير المريبة وحنثه بالقسم الذي أداه في الحفاظ على مصالح العراق وشعبه والتنازل عن حقوق العراق المشروعة دون وجه حق.

فعندما صنفت الأمم المتحدة القوات الأميركية كقوة احتلال في مجلس الأمن, طالب المندوب الفرنسي وبإصرار شديد بوضع جدولا للانسحاب اذبان ولاية رئيسها السابق (ميتران) وقبل أن تتغير السياسة الفرنسية رأسا على عقب, انبرى هذا الوزير ساخرا من المندوب الفرنسي بعد أن استعانت الإدارة الأميركية به ليجيبه (وهل انتم عراقيين أكثر من العراقيين أنفسهم) ليثبت انه أميركيا أكثر من الأميركيين أنفسهم, وبما إن الأمم المتحدة قد صنفت القوات الأميركية كقوة احتلال فقد سعت بعض الدول العربية بمشروع تعويض العراق عن الأضرار الناجمة عن هذا الاحتلال, فكان أول الرافضين لهذا المشروع, وتجلى موقفه المريب أيضا إزاء رفضه تحريك دعوى التعويضات ضد إسرائيل لقصفها مفاعل (تموز) النووي السلمي المقرة أصلا في مجلس الأمن الدولي, وهذا الوزير سبق وان ظلل مجلس النواب فيما يتعلق بقضية السجناء العراقيين في السعودية, وقدم لهم معلومات مغلوطة, وموقفه المخزي مع وكيله (عباوي) من الثورة الشعبية في البحرين, وفشله او تقاعسه في تحديد الحقول النفطية المشتركة مع دول الجوار بعد تزويده بكل الوثائق التي تثبت حقوق العراق في هذه الحقول من قبل مجلس الوزراء, وأخيرا كان هذا الوزير قد أبدى امتعاضه الشديد من موقف مجلس الوزراء الصارم إزاء وفد (الكونغرس) الأميركي, وتصريحاته الوقحة بشان تعويض قواتهم, لان له وجهة النظر المغايرة تماما فلا يجوز لمجلس الوزراء تجاوزه.

إن التفريط بحقوق العراق لأسباب واضحة كوضوح الشمس, ومعروفة الأهداف والنوايا فهي أولا للتأسيس لعلاقات فئوية جيدة ومتميزة لما بعد (حق تقرير المصير) على حساب المصلحة الوطنية ومن خلال المنصب الذي منحه إياه العراق الموحد والتحدث باسمه, وثانيا هذا التفريط بالحقوق سيخلق بؤر للنزاعات المسلحة ما بين العراق وبين جيرانه وتكون سببا لإضعاف العراق وتترك الباب مفتوحا للتدخلات الخارجية تحت مسميات الأمن والسلم العالميين, وبعد هذا كله ألا يحق لنا أن نتساءل دون أن نتهم بالشوفينية عن هذا الوزير ... ولمن ولاءه ؟ ولم هذا الصمت المطبق من الحكومة إزاء تصرفاته التي لا تنم عن ولاء حقيقي للعراق ؟

وقاحة أميركية

 

خالد الخفاجي

Khalid.alkhafaji@yahoo.com

 4 1 2013

الترهات التي أطلقها وفد الكونغرس الأميركي في بغداد والمطالبة بتعويض القوات الأميركية عما لحقها من خسائر في الأرواح والمعدات, تمثل تجاوزا فجا لكل الأعراف والمواثيق الدولية وحتى تجاوزا لحدود اللياقة الأدبية, وهي لا تعدوا كونها جس نبض للحكومة العراقية ودراسة رد فعلها المتوقع لابتزاز جديد, واتخاذ القرار الملائم في تبني هذه الأفكار لتكون قاب قوسين او أدنى من التنفيذ او تنأى بنفسها عن هذه الأفكار كعادتها لتكون اراءا شخصية لا علاقة للإدارة الأميركية بها فيما إذا كان رد الفعل عنيفا وغير متوقع.

والولايات المتحدة تعرف جيدا كيف تختار وفودها للخارج, فهي تعي جيدا ما تريد وتحرص دائما على تلقينهم وتحفيظهم بما يتفوهون به من حماقات دون اي اعتبار لحدود اللياقة الدبلوماسية او حدود الضيافة او حتى ما يتضمنه القانون الدولي من بنود لتفصيل قوانين خاصة بها وفرضها بالإكراه, وبعد أن ابتز العراق بدفع مبلغ (400) مليون دولار كتعويضات لأميركيين عن أضرار مزعومة دون وجه حق, وللحفاظ على الأموال العراقية في الخارج كما ادعت الحكومة العراقية التي تسرق ملياراتها في وضح النهار ممن يدعون حمايتها دون حسيب او رقيب, حاولت الإدارة الأميركية إعادة الكرة ثانية, والمطالبة بتعويض الجيش الأميركي المحتل في مطلب لا ينم عن وقاحة وصلف وحسب بل وسذاجة أعضاء وفد الكونغرس أيضا فليس هنالك أسهل من خداع الساذج وتوريطه بترهات حتى دون أن يشعر هو بها, فهم في الغالب ممثلو شركات منتدبين لتمثيلها في الكونغرس لحماية مصالحها, ولا علاقة لهم ولا دراية في السياسة, ولعل كل من شاهد خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي (نتنياهو) الأخير في الكونغرس يحكم دون أدنى شك إن مهمة هذا المجلس لا تعدوا عن التزمير والتصفيق وقوفا دون مناسبة ولعلنا نظلم كثيرا البرلمانات العربية باتهامها بأنها أبواق لحكامها إذا ما قورنت بالكونغرس الأميركي وقد يكون هذا الوفد من السذاجة انه صدق فعلا إن ما قامت به الولايات المتحدة يعد تحريرا وليس احتلالا حتى وان صنفت الأمم المتحدة ومجلس أمنها بان الجيش الأميركي هو قوة احتلال غاشم واقر رئيسهم (بوش) بذلك طالما كانت هنالك زمرة بائسة من ممتهني السياسة العراقيين مازالوا لحد اللحظة ينظر الى القوات الأميركية كقوة تحرير وليست احتلال ويسعى بكل ما أوتي من سلطة في التشبث بها وإطالة أمد بقاءها لغايات دنيئة او لإثبات الولاء, لكننا لم نهعد أبدا إن دولة محتلة قامت بتعويض جيش الاحتلال عما لحقه من خسائر.

لكم تمنينا في هذا المؤتمر أن يلجم فم المتفوه على وقاحته وصلفة برمية لا تخطئه أبدا, وعلى طريقة توديع رئيسهم السابق (بوش) ليعلم إن للوقاحة حدود يجب أن لا يتجاوز ما مسموح به, إلا إن الرد جاء سريعا من مجلس الوزراء بقرار جريء وشجاع بطردهم كما يطرد اي منبوذ وسفيه, قرار لم يترك المجال أبدا لمتحدث الحكومة كدابة من التأويل والترقيع, وتجاوز الخارجية العراقية التي امتعضت كثيرا من هذا القرار كعهدنا بها, وسارعت السفارة الأميركية في بغداد للتنصل من هذه الحماقات لتنأى بنفسها عنها, وتتكشف عورات السياسة الأميركية التي ترخي الحبل كلما جذب منها, وتجذب بقوة ودون رحمة عند التراخي, لتلف به الأعناق وتطبق عليها. 

هي الديمقراطية ... وليست بمؤامرات

 

خالد الخفاجي

Khalid.alkhafaji@yahoo.com

 

أظهر تفاقم الأزمة الاقتصادية المفتعلة مدى التخلف والجهل السياسي الذي ابتلت به الساحة السياسية بوجود هذا الكم الهائل من المخادعين والمواربين, لم يتورعوا من فعل الموبقات لمحاربة الخصوم من كذب وتدليس وحرف الوقائع عن مجرياتها وتقديمها مشوهة مظللة, أطلقت التهم جزافا, والكذب وحدانا وزرافا, حتى بدا ثوب الديمقراطية ثوبا مهلهلا على جسدهم لا يستر عوارهم, فلم تكن عملية سحب الثقة لدى المستأثرين في الحكم سوى مؤامرة قام بها مجموعة من الجواسيس بدفع وتمويل خارجي لأناس لا يريدون للعراق خيرا.

لقد ابتلى العراقيون بمجاميع متسيسة وما هم بساسة تسيدت المشهد السياسي لخلل مقصود في آليات العمل الديمقراطي الناشئ, بعضهم يجهل تماما وآخرون يتغابون إن سحب الثقة هي آلية دستورية تعـمل على ضبـطـٍ عمل المسؤولين المنتخبيـن لكبح جماح طموحهم الشخصي واستغلال فترتهم الرئاسية للامتداد في الحكم بوسائل غير مشروعة, وللحد من الانحرافات وعدم تفاقمها التي يقوم بها المسؤولين المنتخبين قبل انتهاء الفترة الانتخابية, وهي تعطي السلطة التشريعية فرصة مستمرة لاتخاذ قرار ديمقراطي حول من يحكمهم، طالما إن ليس لديهم فرصة واحدة فقط كل أربع سنوات لاستبدال الحكومة، كما إن لهذه الآلية قدرة الإبقاء على درجة من السيطرة على القرارات خلال فترة الولاية, حيث سيكون الممثلين المنتخبين اقــل احتمالا لاتخاذ قرارات غير شعبية وهذا ما سيجعلهم أكثر اتزانا وأكثر حذرا في اتخاذ القرارات, حتى غدت هذه الآلية لا يخلو منها أي دستور في أي دولة ديمقراطية وحتى تلك التي تدعي بديمقراطيتها, وانسحبت أيضا على عمل الأحزاب السياسية والنقابات المهنية وغيرها من المنظمات الطوعية الأخرى وأضحت بندا ثابتا من أنظمتها الداخلية لما تخلقه من روح التنافسية بين قادتها.

وبغض النظر عما وصفت به الجبهة المناهضة لحكم المالكي, فان من حقها الدستوري سحب الثقة وفق آليات حددها الدستور, ولها من الأسباب ما يدعم مطالباتها ليس لعاقل أن يغفلها, وما دامت ستحقق النصاب القانوني, ومن حق رئيس الوزراء أن يحشد أتباعه في مجلس النواب لإفشال عملية سحب الثقة وفق الآليات المنصوص عليها دستوريا, بعيدا عن التهديد والوعيد وشراء الذمم وتأليب الشارع والتلويح بالحركات المليشياتية والزعامات الوهمية التي ستزيد الأوضاع تأزما حتى حين تنتهي الأزمة ... ماذا سيقول إتباع السلطة بعد أن اتهموا الجبهة المناهضة بتبعيتها للخارج وهم استجدوا التدخل الأميركي- الإيراني جهارا للتأثير عليهم وثنيهم عن سحب الثقة؟ وحين اتهموا المناهضين بتلقي أموال من الخارج قدرت ب(2- 3) مليون دولار لكل نائب يصوت لصالح سحب الثقة, فكم دفع المالكي لثني الموقعين الثلاثة عشر على الانسحاب ؟ وكم دفع للآخرين للبقاء على ولاءهم له أم سيكتفي بما جمعه من ملفات الاجتثاث والفساد والتزوير ضدهم ؟ وما الذي فعله رئيس الوزراء القائد العام للقوات المسلحة لضابط متمرد برتبة لواء ركن هدد وتوعد بتصفية الخصوم جسديا ؟ وهل يعني تخصيص (240) مليون دولار في الموازنة العامة تحت حساب دمج المليشيات في العملية السياسية هو لشراء ذممهم واستخدامهم كبنادق مأجورة خارج نطاق القوانين لتصفية كل من تسول له نفسه والوقوف بوجه التفرد في الحكم ؟ وكيف لرئيس الوزراء أن يتهدد ويتوعد استنادا لاتهامات نواب موالون ووسائل إعلام استندت أصلا لهؤلاء النواب بتزوير التواقيع دون أن يدعي ولو نائب واحد بتزوير توقيعه ؟

تساؤلات تطرح نفسها بقوة في كيفية تعاطي ائتلاف دولة القانون مع تلكم القضية, والافتقار للحد الأدنى من الحنكة السياسية والرغبة في وضع البرامج المشتركة مع الشركاء السياسيين للإصلاح, إنها ديمقراطية شوهاء يصر المالكي على ترسيخها بعيدا عن الآليات الدستورية, وإجهاض صارخ لحق باقي الكتل السياسية في ممارسة حق من حقوقها بطرق غير مشروعة, وقد تتكرر مع أي طرف يحاول سحب الثقة عن الحكومة, فالمالكي لا يريد شركاء في العملية السياسية وفي صنع القرار, بل أتباع يدورون في فلكه. 

ولاية ثالثة ... كارثة ثالثة

 

خالد الخفاجي

Khalid.alkhafaji@yahoo.com

 28 5 2013

 انتبه المشرعون في النظم الديمقراطية الحقيقية وواضعو دساتيرها إلى بديهية باتت تشكل أساسا متينا لبناء دولة المؤسسات الدستورية, وذلك بتحديد الفترة الرئاسية وعدم تجديدها للشخص الواحد لأكثر من فترة ثانية لتكون كابحا أمام الطموح الشخصي لمن يتولى هذا المنصب الحساس ومنع شخصنه مؤسسات الدولة لصالحه.

والفقرة الأولى من المادة (69) من الدستور العراقي أقرت جواز انتخاب رئيس الجمهورية لفترة ثانية لا غير لذر الرماد في العيون.. وكما نعلم إن نظامنا برلماني وزاري وليس رئاسي, وان منصب رئيس الجمهورية هو منصب فخري وبصلاحيات بروتوكولية لا تمكنه حتى وان استمر إلى ما يشاء من الفترات الرئاسية من استغلال نفوذه وسلطته وتسخيرها لمصلحته, ولكن الدستور وثغرة أخرى من ثغراته التي يبدو إنها وضعت عن قصد, قد اغفل تماما والدولة العراقية في طور النشوء الديمقراطي من تحديد الفترة الرئاسية لمنصب رئيس الوزراء ذو الصلاحيات التنفيذية الواسعة التي قد تشجعه على الامتداد خارجها واستخدام هذه الصلاحيات لإدامة فترة بقائه وشخصنه مؤسسات الدولة بالأشكال التي تضمن له التجديد المستمر, والذي قد ينتقل بالوراثة إلى ابنه ومن ثم إلى حفيده, ومع إصرار السيد نوري المالكي في التفرد في الحكم وجمعه لخيوط السلطة جميعا بيديه, فقد يعيد التاريخ نفسه وتتحول ولايته إلى نسخة مكررة من ولاية نوري السعيد في العهد الملكي الذي تولى رئاسة الوزراء لأربع عشرة مرة, فالدستور يسمح له بذلك, وهذا يؤدي إلى تحويل مؤسسات الدولة إلى مؤسسات سلطة وبالتالي إلى وهن العملية السياسية, وبوادر هذا التحول شاخصة للعيان من تهميش المالكي لمجلس النواب وإضعافه وتسييس القضاء واستخدامه لقولبة القرارات والنصوص الدستورية وإقصاء رؤساء هيئة النزاهة واستخدامها سلاح ضد الخصوم أو لحماية الفاسدين من الحلفاء والسيطرة على هيئة الإعلام والاتصالات لتكميم الأفواه وتزييف الحقائق أمام الرأي العام إلى محاولة الاستحواذ على المفوضية المستقلة للانتخابات لتوجيه الانتخابات باتجاه بوصلته, ناهيك عن إحكام السيطرة على جميع المؤسسات الأمنية, وهذه كلها محاولات لترسخ الحكم الفردي الاستبدادي وهي تشكل كوابح وموانع لعدم تجديد الولاية للمالكي ناهيك عن سوء الأداء الحكومي وانخفاض المؤشرات الايجابية مقابل ارتفاع المؤشرات السلبية في مختلف مرافق الدولة...

وقد يشترك العراق مع عدة دول يسمح دستورها بفترات غير محددة من الحكم كبريطانيا حين تمكنت تاتشر من تشكيل وزارتها في بريطانيا لثلاث دورات مستمرة طالما ظلت بريطانيا ليست لها دستور يحدد ممارساتها الديمقراطية ولكن لا مجال للمقارنة بين تجربة المالكي في الحكم وديمقراطيته العراق المتعثرة وبين دولة المؤسسات البريطانية وصرامة أجهزتها القضائية, ولا مجال للمقارنة أيضا بينه وبين الهند صاحبة الباع الطويل في الممارسة الديمقراطية التي أرسى مبادئها الزعيم الملهم (غاندي) ... ولا يكفي أن يكون ذلك تقليدا عالميا لكي يكون صحيحا في كل الحالات, فبإمكان المرء أن يحصي دولا أخرى لا تلتزم بهذا الشكل من الآليات الديمقراطية, ففي أمريكا وروسيا وكذلك فرنسا فالنظام الرئاسي فيها لا يجيز للشخص عينه حق التجديد لأكثر من مرة, بخلاف العراق الذي ما زالت الدولة الجديدة فيه تحت التكوين وهي بالتالي تخلو من المؤسسات الدستورية الرصينة المنجزة, والمرحلة بذاتها تمثل مرحلة صراع الاستحواذ على السلطة أكثر منها من مرحلة بناء دولة, هذا بالإضافة إلى الخلافات والاختلافات بين القوى السياسية التي لا يمكن حلها بدون رعاية لسلطة أو منظمة دستورية محايدة ولا يمكن مطلقا الاعتماد على النوايا وحدها لبناء ثقة جمعية لا يتخطاها المسؤول باتجاه بناء رصيده الشخصي وإطباق سلطته تدريجيا على مفاصل السلطة ودولتها الجنينية, إضافة إلى جنوح محتمل باتجاه الهيمنة الشخصية والعائلية والقبلية والفئوية, وذلك من الممكن تفعيله وتنشيطه في حالة إذا ما كانت هناك فرصا مفتوحة أمام الحاكم لتجديد ولايته, فهو في حالة كهذه سيكون أكثر ميلا لبناء ملكوته الخاص والعمل بكل الجهود والإمكانات التي تجعله يضمن التجديد واستمرار الولاية, وحاكم كهذا سيتجه حتما لتصفية خصومه سواء في المعارضة أو في داخل تحالفه وحتى ضمن صفوف حزبه, وهو سيتجه إلى خلق أجهزة أمنية وإستخباراتية تعمل لصالحه. أما الحاكم الذي يعرف أنه سيغادر السلطة بعد دورتين فهو سيوفر كثيرا من شخصنه مؤسسات الدولة بالأشكال التي تضمن له التجديد المستمر لفترات وفترات.

من الواجب ونحن نتخبط في ديمقراطيتنا الناشئة أن تجري مراجعة مواد الدستور (المفخخ) بعد كل مرحلة محتدمة بالمتغيرات, لتشخيص الخلل وتغيير المواد بما ينسجم مع شكل الديمقراطيات المتقدمة, وإكمال بناء الدولة المؤسساتي بحيث يصبح استحالة شخصنه النظام على يد رئيس الوزراء وحزبه.

هواجس القوة المتداعية وهستيريا الاجتثاث

الخميس, شباط 21, 2013

خالد الخفاجي

ليس ثمة من يعجز من رصد مكامن القوة التي يتمتع بها المالكي والمستمدة من الصلاحيات الواسعة التي تتمتع بها السلطة القضائية والحصانة المطلقة التي منحت لرئيسها "مدحت المحمود" بفعل قرارات الحاكم المدني التي خولته لان يكون مهندس العملية السياسية يصممها كما يشاء لا صوت يعلوا على صوته ومكنته من مصادرة صلاحيات بقية المؤسسات الدستورية وتطويعها لصالح المالكي وتمكينه من بسط هيمنته ونفوذه عليها, فكان قرار الاجتثاث بمثابة ضربة قاصمة لمكامن قوته ووقعه جسيما تجاوز فيه الخصوم كل الخطوط الحمراء وانعكس في الإجراءات المضادة التي اتخذها ضد هيئة المسائلة والعدالة واثبت بما لا جدال فيه حالة التخبط التي تسود قراراته الانفعالية التي لا تستند إلى قانون أو دستور, ويقدم لنا دليلا مضافا على شخصنه السلطة القضائية ووهن استقلاليتها. هواجس تداعي قوة المالكي قبل أوانها وفقدان خدمات "مدحت المحمود" وخبرته الواسعة في قولبة القوانين وتسخيره للسلطة القضائية في صناعة الأنظمة الاستبدادية, تجلت في تعطيل قرار الاجتثاث منذ سنة "2006" وتجلت أيضا في تعطيله إقرار قانوني المحكمة الاتحادية ومجلس القضاء الأعلى بإرساله طلب في (الرابع من نيسان 2011) إلى مجلس النواب للتريث في تشريع خمسة قوانين مهمة من ضمنها قانوني المحكمة الاتحادية ومجلس القضاء الأعلى وما زال ائتلاف المالكي يعرقل إقرار قانون المحكمة الاتحادية وتهديده باللجوء إلى المحكمة الاتحادية لنقضه للإبقاء على تشكيلتيهما اللاشرعية خاصة المحكمة الاتحادية التي يترأسها "مدحت المحمود" لجسامة الدور الذي تلعبه في رسم طبيعة نظام الحكم والصلاحيات الواسعة التي تتمتع بها, ولا بقاءه أطول فترة ممكنة في رئاستها للإفادة من خدماته, حيث تختص المحكمة الاتحادية وفق المادة (93) من الدستور بالرقابة على دستورية القوانين والأنظمة النافذة, وتفسير النصوص الدستورية, والفصل في القضايا التي تنشأ عن تطبيق القوانين الاتحادية، والقرارات والأنظمة والتعليمات، والإجراءات الصادرة عن السلطة الاتحادية، والفصل في المنازعات التي تحصل بين الحكومة الاتحادية، وحكومات الأقاليم والمحافظات والبلديات والإدارات المحلية والمنازعات التي تحصل بين حكومات الأقاليم أو المحافظات, والفصل في الاتهامات الموجهة إلى رئيس الجمهورية، ورئيس مجلس الوزراء والوزراء، والمصادقة على النتائج النهائية للانتخابات العامة لعضوية مجلس النواب, وقراراتها باتة وملزمة لكافة السلطات, ومن هنا تتضح القوة التي يتمتع بها المالكي مع وجود "المحمود" في رئاسة المحكمة الاتحادية, ومن المفارقات الخطيرة التي انتهك فيها الدستور والقانون جهارا على يد "المحمود" تتجلى عندما عين نائبه في محكمة التمييز رئيسا لها خلافا للدستور الذي يشترط التصويت في مجلس النواب على تعيين رئيس وأعضاء محكمة التمييز, بالإضافة إلى احتفاظه برئاسة مجلس القضاء الأعلى  بجانب رئاسته للمحكمة الاتحادية وهذا أيضا يخالف قانون مجلس القضاء الأعلى الذي أصدره "بريمر" وينص على أن رئيس محكمة التمييز يجب أن يكون هو ذاته رئيس مجلس القضاء الأعلى ... ومن هنا يتضح مدى الاستخفاف بالدستور والقوانين من قبل السلطة القضائية التي من واجباتها صيانة الدستور وحمايته من الخرق, وعلى عكس المالكي الذي الذي انتابته حالة هستيرية أفقدته توازنه على وقع اجتثاث "المحمود" وأطلق العنان لتصريحاته واتخذ من الإجراءات ما هو خارج نطاق صلاحياته وألغى دور هيئة المسائلة والعدالة ومجلس النواب ليحتفظ بصدامي حد النخاع, تقدم "المحمود" واثق الخطوة يمشي ملكا لهيئة التمييز وقدم طعنا ليرد بالإجماع خلال يوم واحد, فقد حصن دفاعاته جيدا بقضاة توابع اختارهم بعناية فائقة وزج بهم في كل المؤسسات القضائية لم يتوانوا حتى من إغلاق محاكمهم والتظاهر بناءا على أوامره ضد النائب "صباح ألساعدي" فهو صاحب السلطة المطلقة يولي من يشاء ويقصي من يشاء. "المالكي" ما زال بحاجة "المحمود" لذلك فهو لم يجد وثيقة واحدة لصاحب البيعة الأبدية تدينه, ولا يرى في كونه عضو قيادة شعبة تجعله بعثيا, ومن المحال أن تكون رئاسته لمجلس شورى الدولة تجعله صداميا, ولا حتى اقتراحه وتشريعه لقانون قطع آذان الجنود الهاربين ووشم جبينهم تجعله مجرما بحق الشعب العراقي والإنسانية, ولكنه وجد إن مقتل ابنه الوحيد تمنحه الحصانة ضد الاجتثاث, ووجد ان ما قدمه من خدمات توجب الدفاع عنه وحمايته, فما زالت الرغبة الجامحة للاحتفاظ بعرش الحكم تتطلب ترجمة الرغبات إلى تفسيرات دستورية ومازالت الكثير من القوانين تنتظر ان يضع "المحمود" لمسته السحرية عليها قبل أن يقر قانون المحكمة الاتحادية ويزاح عنوة عن منصبه الذي لم يزحزحه منه حتى قانون التقاعد الإجباري الذي استحقه منذ أكثر من عشرة أعوام. 

الترشيق الوزاري ... والوزير المرشق

 

خالد الخفاجي

Khalid.alkhfaji@yahoo.com

 1 7 2013

الترشيق الوزاري بات ضرورة ملحة ومطلبا شعبيا لخفض مؤشرات الانتهازية النفعية المرتفعة الذي تتصف به مكونات العملية السياسية, وتهدد أسسها ومقومات الديمقراطية فيها تحت مسميات شتى, كحكومة الشراكة او مبدأ (الديمقراطية النسبية) والتي تبتعد شعاراتها البراقة المعلنة كثيرا مع ما تضمره من نوايا.

وتحت هذه المسميات شكلت حكومة أشبه بما تكون من مجلس إدارة لشركة رأسمالية مساهمة, حددت فيها تسعيرة للوزارات وفق ماتدرة من إيرادات او ما لها من تخصيصات وثمن التسديد يمثل عدد المقاعد التي تمتلكها الكتلة السياسية في مجلس النواب, تماما مثلما يتم تشكيل مجلس إدارة في اي شركة مساهمة, حيث تكون الغلبة والنفوذ واتخاذ القرارات لمن يمتلك اكبر عدد من الأسهم او اكبر عدد من المقاعد النيابية كما في حكومتنا ذات المسميات المتعددة, وتتحول هذه الشركة او الدولة التي تحكمها مثل هذه الحكومة الى ملك مشاع لأعضاء مجلس إدارتها يقرون ما يناسبهم من قرارات في تحديد الرواتب وفي تخصيص الامتيازات وغيرها دون وجه حق, فيما تتحول الخسائر والعجز الى صغار المساهمين البعيدين عن مجلس إدارتها مع انهم الملاك الحقيقيين لهذه الشركة, هذا هو حال الدولة العراقية في ظل مجلس إدارتها الحالي والذي لا تنطبق عليه صفة الحكومة بأي شكل من الإشكال ما لم تتخذ الإجراءات العاجلة والفاعلة لتصحيح مسار عملها ومسار العملية السياسية ككل, وفي طريقة تشكيل الحكومة وفق هذه المبادئ الانتهازية الفئوية لتقليص حجم وزاراتها ودرجاتها الخاصة التي باتت تستنزف ربع الموازنة العامة بالتمام والكمال دون اعتبارات لما يعانيه العراقيين من فقر مدقع وحرمان لأبسط مقومات الحياة, وهذا الاستنزاف في الموارد العامة الذي يكاد يغطي ضعف العجز الموجود في الموازنة العامة يذهب سدى وهباء منثورا كحصص ومغانم لأطراف العملية السياسية, وإذا كان بعض الساسة المتنفذين قد ارتكبوا خطا فادحا للاحتفاظ بمناصبهم بمقايضة المناصب مقابل منحهم الثقة لتشكيل الحكومة, فان معالجات الأخطاء يجب أن لا تكون سببا لارتكاب أخطاء أخرى تفاقم المشكلة ومجاملة الكتل السياسية على حساب حقوق المواطنين المشروعة في ثرواتهم وضرورة توزيعا بأسس عادلة ومتوازنة لتقليل نسب الفقر والتباين الطبقي, فالوزراء الفائزين في الانتخابات من الذين سيتم ترشيقهم يجب إعادتهم الى مقاعدهم البرلمانية وليس في إحالتهم على التقاعد بعد أن استحوذ على مقاعدهم بعض رؤساء الكتل او (قياديين كما يسمون أنفسهم) في كتل أخرى او غيرهم من المحسوبين والمنسوبين المقربين من رئيس هذه الكتلة او تلك والذين أخفقوا في الانتخابات تجاوزا على قانون الانتخابات الذين نشكك في إمكانية إزاحتهم من مناصبهم لإعادة الوزراء المرشقين إليها, او في إعادة الوزراء المرشقين من غير الأعضاء المستبدلين في البرلمان الى وظائفهم السابقة, اما إحالتهم على التقاعد وبراتب (80%) من آخر راتب تقاضاه و تمتعه بكافة الامتيازات الأخرى التي يحضا بها أقرانه وهو لم يكمل الأربعة أشهر من خدمته, وفي وقت يرفع فيه رئيس الوزراء شعار ترشيق الحكومة وإلغاء الدرجات الخاصة, فهذا يعني الضحك على الذقون, فماذا يعني تحويل الوزراء الى وزراء متقاعدين يتقاضون رواتب وفق قانون خاص في ظل مطالبته بإلغاء قانون الدرجات الخاصة ؟ وأي نفقات سيتم تقليصها إذا من ترشيق الوزارات ؟ وأي درجات خاصة يجري الحديث عن إلغاءها وهم يعمدون الى زيادة أعدادها ؟ إن ترشيق الحكومة يجب أن يعالج لب المشكلة وهي في استنزافها للمال العام والمغالاة في منح الامتيازات, اما أن يكون الترشيق لأهداف سياسية بحتة وبعيدة كل البعد عن المطالبات المشروعة للجماهير المحرومة والتي تبنتها المرجعية الدينية الرشيدة وأصبحت مطلبا تنادي به, فهو أسوا مما لو بقت الحكومة على شكلها الحالي ويعني المزيد من إهدار المال العام لطبقة من السياسيين ترى في نفسها بأنها فوق كل القوانين الشرعية والوضعية.

الثورة الليبية ومصالح الغرب المكبوتة

 

خالد الخفاجي

Khalid.alkhafaji@yahoo.com

 

لم يدم التحالف الغربي طويلا حتى ظهرت بوادر الخلافات العميقة بين أعضاءه جليا فيما يتعلق بالحملة العسكرية على ليبيا, وحتى قبل أن تحقق الحملة لأهدافها التي ظلت ترفع حماية المدنيين شعارا لها, فيما لاحت في الأفق أهدافا كانت مكبوتة بدأت بالظهور شيئا فشيئا لتلقي بظلال من الريبة والشك بمدى جدية الغرب في حماية المدنيين ونواياهم الحقيقية إزاء ليبيا.

الخلافات بدأت عندما ارتأت الدول الأوربية ان يتولى حلف الأطلسي (الناتو) مسئولية قيادة العمليات العسكرية , بينما تنظر (فرنسا) للأمر من زاوية مصالحها الخاصة وتحاول اللحاق بالركب الأميركي الذي تخلفت عنه قبل مجيء (ساركوزي) لرئاسة الوزراء, وترى انها هي صاحبة الحق في قيادة العمليات وان الحرب على ليبيا هي عملية اقرها (مجلس الأمن الدولي) وليس للحلف الحق في قيادتها, (باريس) تدرك ان دخول حلف (الناتو) على الخط يعني ان دولا أوربية فقيرة تعاني من أوضاع اقتصادية مزرية ستكون لها حصة من (الكعكة الليبية) وتريد ان تستأثر بالغنائم أيضا ومشاركة فرنسا بها, لذلك ترى هذه الدول ضرورة ان تكون القيادة دورية للحلف خشية تهميشها وعدم استلامها لاستحقاقاتها من الغنيمة, الخلاف بين دول التحالف على إدارة الحرب أثار شكوكا ومخاوف عن الأهداف الحقيقية للحملة العسكرية على ليبيا لدى الرأي العام العالمي والعربي بشكل خاص, ومع ان (الولايات المتحدة) فضلت ان تؤول قيادتها لحلفائها الأوربيين (فرنسا وبريطانيا) لإدراكها إن هذه الحرب ستفضي في النهاية إلى تكرار التجربتين السابقتين في كل من العراق وأفغانستان وما أسفر عنهما من خسائر بشرية واقتصادية جسيمة فضلا عن ثورة يكتنفها الغموض السياسي وعدم إدراكها لطبيعتها وأيدلوجيتها, فهي غير مستعدة لدخول مستنقع آخر قد يكون الخروج منه أصعب بكثير من دخوله, لذلك فضلت الجلوس في المقاعد الخلفية وإناطة المهمة لشركائها الأوربيين (فرنسا وبريطانيا), وبلا شك فإنها ستسعى إلى إبعاد (الناتو) والتمسك من ان الحرب تخص مجلس الأمن الدولي وقمة باريس هي صاحبة الحق في توجيه الحرب ونتائجها.

الخلافات بين دول التحالف تشعبت بعد إصرار الدول المتحمسة للحرب (الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا) على تسليح الثوار الليبيين, رغم توجس الأميركيين الآخذ بالازدياد من شبح اختراق تنظيم القاعدة للثوار أو تنظيمات إسلامية أخرى, بينما اعتبر الحلف بان ذلك خروجا عن مضمون القرار (1973) الصادر عن مجلس الأمن, حيث أوضح الأمين العام للحلف (راسموسن) بان القرار هو لحماية المدنيين وحظر السلاح عن الأطراف المتحاربة وليس لتسليحهم, الغرب مضى قدما في خططه الرامية إلى التفرد بليبيا واخذ يقرر نيابة عن شعبها بعد أن سوغت الجامعة العربية لهم ذلك بتعليق عضويتها, وخولت مجلس الأمن باتخاذ إجراءات عسكرية وقبل ان تتأكد من صحة المعلومات الواردة وحتى قبل ان تسعى إلى حل الخلاف ضمن إطار الجامعة وتشكيل لجان لتقصي الحقائق كما يقتضيها ميثاق الجامعة العربية مما يرسخ الاعتقاد بان الأمر كان مبيتا وعزز ذلك حضور (اشتون) منسقة السياسة الخارجية الأوربية لاجتماعات الجامعة العربية لإصدار القرار , وعشية انعقاد مؤتمر (لندن) المخصص لمناقشة الأوضاع لما بعد مرحلة ألقذافي الذي عقد في (28/3), شنت كتائب ألقذافي هجوما واسعا على الثوار في مناطق الهلال النفطي الذي تدور حوله المعارك في مدن مصراتة والبريقة ورأس لانوف أدت إلى تقهقر الثوار من هذه المدن وتكبدهم خسائر فادحة من دون ان تتدخل قوات التحالف في حمايتهم في سيناريو يشبه إلى حد كبير ما جرى مع الانتفاضة الشعبانية في العراق عام (1991) وإطلاق يد الطاغوت بعد أن كان قاب قوسين أو أدنى من السقوط لقمعها والبطش بها بكل أنواع الأسلحة بما فيها الطائرات, وقد تكون هذه الحركة المريبة هي لابتزاز ثوار الداخل الليبي وتنبيههم إلى ان نجاح أو فشل الثورة هو رهن بإرادتهم.

ويبدو ان الثوار قد وقعوا بين سندان ألقذافي والته العسكرية ومطرقة التحالف الغربي ومحاولة مصادرة ثورتهم ومنح شرف قيادتها لمن لا يستحق, وما زال المتتبعين السياسيين عاجزين عن فك طلاسم الأحجية الغربية حول كيفية اختراق صفوف الثوار متشددين من تنظيم القاعدة وحزب الله اللبناني معا, في إشارة واضحة على محاولة تركيع الثوار وابتزازهم بإسناد الثورة لتنظيم إرهابي كتنظيم القاعدة. 

التأميم...الرد الانفعالي على طغيان السوق ووحشيته

 

خالد الخفاجي

 

ظل الكثير من رجال الاقتصاد وصانعي القرار السياسي الغربيين العاكفين على دراسة ديناميكية الحرب الباردة طوال عشرات السنين الى الجزم بان عمليات التاميم هي برمتها جاءت بتحفيز من فكر شيوعي او اشتراكي وكنتيجة من نتائج الحرب الباردة, الا ان الواقع يشير الى ان التاميم في العالم الثالث بقي دائما بعيدا تماما عن تأثيرات الشيوعية وإنما جاء كتعبير عن التذمر الشعبي وأعمال الانتقام الموجهة ضد الأقلية المهيمنة على الاقتصاد وسوء توزيع الثروات.

بعد عام (1991) ادعى الكثير من الاقتصاديين ان عمليات التاميم قد أصبحت جزءا من الماضي خاصة مع سقوط (الاتحاد السوفيتي) واندحار الشيوعية وعدم قدرة الدول النامية على العودة ثانية على تبني عمليات التاميم كما كانت في مراحل ازدهارها في عقدي الستينات والسبعينات من القرن الماضي, الا انه ثبت ان لا صحة لهذا الادعاء الا اذا كان التاميم يعتمد أساسا على الأيدلوجية الشيوعية, فالأسباب التي كانت تحث على التاميم مازالت قائمة, وحركات التاميم في الدول النامية تمتد الى ابعد من ذلك بكثير, فهي تتغذى من الاستياء الشعبي بين الغالبية الفقيرة ضد الأقليات المهيمنة على الاقتصاد الوطني, وعليه فليس من الغرابة ان نرى عمليات التاميم ومصادرة الملكية الخاصة هما فقط الذين حافظا على استمراريتهما حتى بعد سقوط (الاتحاد السوفيتي), كما ان الحركة المناهضة لحرية الأسواق التي ولدت في بداية عقد التسعينات ومع انتشار العولمة ولدت حيثما كان هنالك أقليات مهيمنة على الاقتصاد, وفي ظل حالة من التمازج المتزايد بين توجهات مناهضة للسوق وبين استخدام الأقليات الاقتصادية المهيمنة ككبش فداء خاصة اذا كانت أقلية عرقية, وكنتيجة لذلك ظهر رد انفعالي في مصادرة الملكية الخاصة في عدد كبير من الدول التي عانت من فشل اقتصاد السوق فيها حتى وفي وقتنا الراهن ومع تفشي وباء العولمة.

ان التاميم يحدث عندما يزداد التباين الطبقي بين فئات المجتمع وتركز الثروات لدى فئة متناهية الصغر من المجتمع وغالبا ما تكون أقلية عرقية دخيلة على المجتمع او فئة مرتبطة بنظام الحكم السياسي ان لم يكن النظام السياسي هو نفسه من يهيمن على الاقتصاد الوطني, وفي الغالب جمعت ثروتها بطرق غير مشروعة تؤدي الى تأجيج مشاعر الكراهية والحقد مابين المجتمع وبين هذه الأقلية المهيمنة, وفي كثير من الأحيان يكون هدف التاميم سياسيا محضا بدلا من كونه معالجة اقتصادية او يكون هدفا لمعالجة ثروات الأقليات العرقية المهيمنة البغيضة التي يشعر غالبية السكان إزاءها بالكره الشديد, لرسم صورة جديدة للاقتصاد تكون فيها الغالبية العرقية المالك الحقيقي لثروات الدولة وان تكون المستفيد الأول من السوق بدلا من الأقلية الرأسمالية, وفي أوضاع اقتصادية شاذة تحفز المجتمع على التذمر والاستياء, يكون التاميم شعارا انتخابيا براقا ولافت للانتباه وبرنامج عمل يستقطب أصوات الناخبين, ففي (زيمبابوي) استمر رئيسها برفع هذا الشعار كبرنامج عمل لحكومته ليستمر في الحكم منذ عام (1980) ولغاية اللحظة قام خلالها بتأميم ملايين الهكتارات من الأراضي الزراعية من مالكيها البيض وتوزيعها على السكان المحليين, وكما كان التاميم حافزا للفنزوليين على انتخاب الاشتراكي (تشافيز) والبدا بعمليات التاميم الكبرى فيها, أما ما شهدته اندونيسيا (الدولة الديمقراطية المتقدمة) من تأميم للقطاعات الاقتصادية الحيوية والمهمة بعد الأحداث المروعة التي حدثت فيها كنتيجة مؤكدة صاحبت أزمتها المالية عام (1998) هي خير دليل على ان طغيان السوق ووحشيته لابد ان يروض بسلاح التاميم الفعال وإعادة إصلاح الاختلالات في موازين توزيع الثروات.   

البنك المركزي ... وصراع الاستحواذ على قيادته

 

خالد الخفاجي

Khalid.alkhafaji@yahoo. Com

 

ظلت حالة التخبط متلازمة مع أداء البنك المركزي العراقي منذ إنشاءه بعد إسقاط النظام السابق تساوقا مع حالة التخبط التي تسود الساحة العراقية برمتها,والانفراد في التغريد خارج السرب هو ملمح من ملامحه الذي تميز به,فالتناقض يبدو ظاهرا للعيان ما بين السياستين المالية والنقدية والتي يتحمل البنك المركزي المسؤولية مناصفة مع الحكومة في ترسيخ هذا التناقض,وكان من المفترض أن تكون هاتين السياستين متوائمتين وتكمل إحداهما الأخرى, فسياسة الدولة المالية دأبت على زيادة الإنفاق إلى حد إحداث العجز في الموازنات العامة مهما بلغ حجم إيراداتها, فيما قابلها البنك المركزي بسياسته النقدية بالرفع المستمر للقيمة الاسمية للدينار التي أدت الى انخفاض عائدات الدولة من العملة الوطنية وترسيخ العجز في الموازنات وأدت أيضا الى زيادة النقد المتداول في الأسواق وساهم في إحداث اخطر الآفات الاقتصادية وهو التضخم, وإفقاد العملة الوطنية لقيمتها الحقيقية في الأسواق المحلية لتقود بالتالي الى استبدالها بالعملات الأجنبية وهروبها الى الخارج خاصة ان البنك عزز من هذا التوجه رفع كافة القيود التي تحد من هروب الرساميل العراقية الى الخارج, وانصرف عن المعالجات الحقيقية للاختلالات الاقتصادية كالتضخم وهروب رؤوس الأموال ومكافحة غسيلها التي ظلت ظاهرة اعتيادية لغاية قيام الأزمتين السياسيتين الإيرانية والسورية وأسقطت آخر أوراق التوت التي كانت تستر عورات البنك المركزي وكشفت عن وهن انجازاته التي طالما تفاخر بها في المحافظة على استقرار سعر صرف العملة الوطنية مع انه فشل في تحقيق استقرار قيمتها الحقيقية في الأسواق,وعن حجم المبالغ الهائلة التي تغسل وتهرب الى الخارج تحت أنظاره دون تحريك ساكن, وفساد مزاده الذي كان من الممكن تحديد سعر محدد لبيع العملة مع وجود الاحتياطي الكبير من العملات الأجنبية بحوزته والبيع لأسماء وهمية تفاخر نائب المحافظ بان البنك كان يبيع لأسماء تستخرج من دليل الهاتف!وانصرف باستماتة للترويج عن مشروعه البائس لحذف الاصفار من العملة والترويج لمزايا وهمية ليس لها علاقة بمعالجة الاختلالات الاقتصادية بل ويدل أيضا عن غيبوبته فكرية عن الساحة السياسية حين يصر على طبع الدينار بإضافة اللغة الكردية إليه في خطوة ينفرد العراق بإصدار عملة بثلاث لغات ويتجاهل دعوات الانفصال وحق تقرير المصير الذي يطالب به الإخوة الأكراد كحق دستوري وما سيكون عليه مصير هذه العملة بعد الانفصال الذي كاد ان يعلن عنه في 21 آذار عام 212 والتلويح بالانفصال مرة اخرى قبيل الانتخابات التي جاءت بالعبادي للحكم.

لفشل البنك المركزي في معالجة الاختلالات الاقتصادية ورسم السياسة النقدية الهادفة لتحقيق الاستقرار النقدي في الأسواق المحلية التي من شانها المحافظة على الرساميل العراقية ومنعها من الهروب الى الخارج ومكافحة غسيل الأموال,فانه يفضل البقاء تحت رقابة مجلس النواب الهزيلة لضمان تنفيذ سياسات قراصنة الاقتصاد المعولمين (خبراء البنك الدولي)التي تسعى لإغراق العراق بالديون وإبقاءه زبونا نهما على قروضهما بفرية الخشية من تعرض الأموال العراقية في الخارج للملاحقات القضائية بسبب مطالبات التعويضات التي تعود الى حقبة النظام السابق فيما لو ارتبط بالحكومة, ولا يمكننا الاقتناع بهذه الفرية كون التعويضات هي ضد دولة وليست ضد حكومة, فيما سبق وان ودفع البنك المركزي (400) مليون دولار كتعويضات لبضعة أميركيين عن أضرار نفسية مزعومة على اعتبار ان هذه التعويضات هي آخر ما يمكن للعراق دفعه من تعويضات باستثناء تعويضات الكويت, أما مجلس النواب فهو يقر عمليا بفشله في ممارسة مسؤولياته كأعلى سلطة رقابية وعدم قدرته على رقابة البنك المركزي وهو تحت إشراف الحكومة مع ان الحكومة هي نفسها ينبغي ان تكون تحت رقابته, بعد ان اثبت فشله في الإشراف على البنك المركزي وانعدام قدرته تماما في تقييم أداءه وتصحيح مساره لضعف لجانه المالية والاقتصادية والتأييد المطلق لسياسة البنك نكاية بالحكومة وليس لنجاحاته.

أما الحكومة التي أثبتت فسادها وإهدارها للمال العام وافتقارها للإستراتيجيات الاقتصادية فيبدو إنها غير مؤهلة لإخضاع البنك تحت إشرافها, ويسود توجس من ان تبدد احتياطيات البنك الإستراتيجية من العملات الأجنبية بلمح البصر, فكيف السبيل للخروج من هذه المعضلة, خاصة ان البنك المركزي ما زال في جعبته الكثير من الإجراءات التي يصر على تنفيذها رغم تأثيراتها السلبية الخطيرة على الاقتصاد العراقي ؟

ليس أمام مجلس النواب إلا في التخلص من التبعية المقيتة للحكومة وتفعيل دوره الرقابي عليها, ليصبح أمر الإشراف على البنك سيان سواء خضع لرقابة الحكومة أم خضع لرقابته, وليس أمام الحكومة إلا ان تكون على قدر من النزاهة والشفافية وخفض مؤشرات فسادها لتكون مؤهلة للإشراف على البنك المركزي أما في حالتها هذه فان تبديد احتياطات البنك قد تتحول من مجرد شكوك الى حقيقة ماثلة, أما البنك المركزي فما عليه إلا التخلي عن وصفات القراصنة الدوليين مع ترجيح كفة المعالجات الحقيقية على كفة وقوف نائب محافظه أمام الكاميرات بابتسامته المعهودة والترويج لانجازات مزعومة, وعند ذاك قد يكون مؤهلا لمنع التدخل في عمله ويقود نفسه بنفسه.

البطاقة التموينية إلغاؤها للهدم وليس للبناء

 

خالد الخفاجي

Khalid.alkhafaji@yahoo.com

 

منذ أن سلمت الحكومة العراقية قيادها لصندوق النقد والبنك الدوليين وجعلت منهما مخططين وموجهين للاقتصاد العراقي بوصفات جاهزة لا تنسجم مع الوضع الراهن والظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها الشعب العراقي والتلويح بإلغاء البطاقة التموينية أصبح هاجس يؤرق العراقيين, وتوجس الفقراء منهم خيفة مما ستؤول إليه الأمور فيما لو تم إلغاءها فعلا, خاصة إنها ضالة الطبقة الفقيرة ويعتمد عليها اعتمادا كليا أكثر من (60%) من أفراد الشعب العراقي, وهذه التوجسات ظلت الحكومة العراقية تثيرها وبين الحين والأخر لتهيئة العراقيين نفسيا لهذا القرار بذريعة إرهاق الموازنة العامة وتعطيل عمليات التنمية الاقتصادية في العراق, وهكذا ألقت الحكومة بكل تبعات فشلها وفسادها على تخصيصات البطاقة التموينية وحصة الفقراء في غذاءهم.

وأخيرا وفي قرار غير مدروس العواقب اتخذ مجلس الوزراء في جلسته المنعقدة الثلاثاء الموافق 6/11 قرارا بالغاءها تماما اعتبار من شهر آذار من العام القادم, وتخصيص مبالغ مالية عوضا عنها تبلغ (15) ألف دينار للفرد الواحد, وكان مقترح استبدال المفردات التموينية بمبالغ نقدية هو المقترح الأكثر قبولا لدى الحكومة عند مناقشة موضوع البطاقة التموينية في مجلس النواب في آذار من العام الماضي, لسهولة تطبيقه ولتنأى بنفسها عن المتاعب التي تسببها عملية إيصال المفردات للمواطنين, إلا إن ما أغفله الساسة هو إن البطاقة التموينية رغم تبخر مفرداتها والأموال المخصصة لها فهي تشكل عاملا لاستقرار الأسعار في الأسواق, وتجنيب المواطن حمى التسابق في رفع الأسعار بين التجار وجشعهم اللامتناهي التي خبرناها أثناء سنوات الحصار العجاف, ولنا أن نعرف مقدار هذا الجشع عند انقطاع توزيع مادة ( السكر ) من مفردات البطاقة لبضعة أشهر العام الماضي ورغم توفره في الأسواق المحلية, فقد ارتفع سعره من (500 دينار/كغم) إلى (2000 دينار/ كغم) أي بزيادة مقدارها (300%), وكما يشهده السوق حاليا من ارتفاع فاحش في أسعار الطحين, إن هذا القرار يبدو هزيلا في هذه المرحلة فهو يتطلب إجراءات فاعلة للسيطرة على الأسواق واستقرارها اعقد من الإجراءات التي تتطلبها عملية تجهيز المواطن بمفردات البطاقة التموينية ومن المؤكد إن الحكومة ستتنصل من التزامها هذا, وسيشهد السوق العراقي تضخما تصاعديا ستعجز الحكومة عن كبح جماحه كما في السنوات السابقة عندما اتخذت من القرارات دون دراسات معمقة والآثار المتوقعة من إقرارها, وسيفقد الدينار العراقي الكثير من (قيمته الحقيقية) المتدنية أصلا, كما ستقطع أرزاق عشرات الآلاف من الوكلاء والناقلين والعمال من الذين يرتبط عملهم بتوزيع مفردات البطاقة التموينية والمزارعين المجهزين لوزارة التجارة ببعض مفرداتها وانضمامهم الى جيش العاطلين عن العمل, بالإضافة الى تحويل كوادر وزارة التجارة الى بطالة مقنعة يتقاضون أجرا دون عمل.

إن العلاج لا يكمن في إلغاء البطاقة التموينية في ظل هذه الظروف الصعبة التي يعاني منها المواطن, وتكاليف المعيشة الإضافية التي يتكبدها نتيجة انعدام الخدمات العامة, وإنما في توفر الرغبة الخالصة لإنهاء الفساد ومخلفاته في وزارة التجارة والبدا بأسس رصينة ونزيهة والعمل تحت الأنظار وليس في الدهاليز المظلمة كما هو معتاد, وفتح مؤسسات وزارة التجارة أمام الهيئات الرقابية لتدقيق أسعار عقودها ومقارنتها مع أسعار البورصات العالمية مع مطابقة المواصفات المطلوبة للمواد المجهزة ونسب التوزيع, وإنزال العقاب العادل بالفاسدين والمفسدين المعشعشين في هذه الوزارة الذين كانوا بمنأى عن الإجراءات العقابية الرادعة فتمادوا كثيرا في فسادهم,

كما يمكن اعتبارها وسيلة من وسائل عملية التنمية الاقتصادية للدولة بدلا من تبني آراء صندوق النقد الدولي والتذرع بأنها معيقة لها, من خلال إجبار وزارة التجارة على التعاقد مع المنتج العراقي لتجهيز مفردات البطاقة التموينية ما دام ملتزما بالمواصفات المطلوبة بدلا من الاستيراد من الخارج بعد أن كانت ترفض التعاقد مع الشركات العراقية, مما يؤدي إلى تحفيز الدورة الصناعية وتوسيع المشاريع الصناعية وزيادة الأيدي العاملة فيها, وتشجيع المزارع العراقي على زراعة المحاصيل الصناعية الداخلة في عملية الإنتاج وغيرها من المحاصيل المهمة الداخلة ضمن مفردات البطاقة وزيادة الرقعة المزروعة وإنقاذها من التملح والتصحر, كما إن الاعتماد على الجهود الذاتية في توفير مفرداتها سيكون عاملا مهما في إبقاء جزءا كبيرا من هذه الأموال داخل السوق العراقي وتعمل على تنشيطه بدلا من تنشيط الأسواق العالمية على حسابه, ويمكن واعتبارها برنامجا من برامج الدعم الاجتماعي للطبقات الفقيرة الذي تعمل به اغلب الدول الغنية لتقليل الفوارق الطبقية التي بدأت تتسع ما بين الفقراء والأغنياء في المجتمع وهذا يعني إنها برنامج لبناء الإنسان للحفاظ على قيمه الايجابية وتطوره وهو اللبنة الأساسية في بناء المجتمع والدولة.

وفي ظل المتغيرات الجديدة التي تشهدها الساحة العربية من ثورات وانتفاضات وتربص البعض في الداخل والخارج لإثارة الفتن, فإننا قد نشهد ثورة للجياع والمحرومين ستكون الأشد وطأة مما كانت عليه في بقية الدول العربية لهول الفساد المستشري في العراق رغم إمكانياته الاقتصادية والذي يفوق أضعافا مضاعفة مما هو عليه في تلك الدول, ولاتساع نسبة الفقر والفقراء بشكل لم يسبق له مثيل في العراق في ظل موازنات انفجارية تصرف في سجلات الحكومة ولا نرى لها أثرا على ارض الواقع, ولنا في تظاهرات الخامس والعشرين من شباط الماضي الذي شهده العراق في كل محافظاته تذكير يا أولي الألباب.

الأيمو وظواهر أخرى ...نتائج لأسباب تنبئ بالمزيد

 

خالد الخفاجي

 

الأيمو: شباب, عاطل ومتسكع ليس له ما يشغل به وقته, ولا هدف يسعى إليه ... ومتسرب من مقاعد الدراسة, وليس له فيها ما يشده إليها ولا معنى لبقائه فيها ... وفقير معدم مهمش لا يعد ولا يفتقد, قد يجد ذاته في لفت الأنظار إليه.

مجموعة من المحبطين استشعروا عقدا في دواخلهم, وتحسسوا عيوب أنفسهم وانعدام فاعليتها, وهدفهم التخلص من هذه العقد والبدا من جديد, فتنتاب المحبطون رغبة عارمة بالعثور على هوية جديدة تخفي عقدهم وتميزهم عن باقي أفراد المجتمع, وتدفعهم الى المحاكاة والتقليد والابتداع لظواهر كلما اشتدت غرابتها وشذوذها كلما سارعت الى لفت أنظار المجتمع إليهم ... نبذهم يؤدي الى تجمعهم وتوحدهم والانغلاق على ذاتهم واحتقار العالم المحيط بهم... البيئة المناسبة لانتشار هذه الظواهر الغريبة هي تلك التي شهدت تنظيما اجتماعيا محافظا تخلخل لسبب أو لآخر وتعرض الروابط المجتمعية فيه للضعف والانهيار.

وكالعادة تطوع البعض الى معالجة النتائج تاركين الأسباب خلف ظهورهم, وأوقعوا فيهم اشد العقاب, وحاولوا إقناعنا بأنهم مخلوقات شريرة تستحق أقصى أنواع العذاب لخنق تأنيب الضمير, فهم مصاصو دماء وعبده الشيطان فلا شفقة عليهم ولا رحمة وليس علينا الشعور إزاءهم بأدنى شفقة.

الفيلسوف الكبير (الفارابي) يصف أهمية الإنسان في بناء الدولة فيقول: (لا دولة فاضلة دون بناء إنسان فاضل) وبناء الإنسان الفاضل يتطلب إعداده منذ الصغر واحتضان النشء الجديد وتنمية قدراتهم العقلية والبدنية وتنمية مواهبهم الفنية والرياضة والفكرية وغرس القيم الايجابية في نفوسهم ليكونوا بناة حقيقيين في مجتمع متماسك ودولة مزدهرة ... بناء الإنسان مسؤولية تضامنية تتضافر فيها جهود المؤسسات التربوية والصحية والثقافية والشبابية ومنظمات المجتمع المدني الأخرى تشكل منظومة متكاملة تعنى في بناء الإنسان وتقويمه ... فماذا عسانا أن نقول ونحن نلحظ كل هذا الإهمال في هذه المؤسسات؟ وأي جيل ينشا ونحن نشاهد الأموال المخصصة للمنظومة الاجتماعية تعاد الى خزينة الدولة كل سنة وتدور كما هي للسنة التي تليها وكأنهم اقسموا على أن لا يضعوا حجرا على حجر ولم يقسموا على خدمة هذه الدولة وهذا الشعب ... وطالما كانت الدول المتحضرة تتفاخر بحجم تخصيصاتها للتربية والصحة فهي أساس بناء الإنسان القويم, أما مدارسنا فهي لا تحمل من صفات المدارس إلا تسميتها, وكانت عامل طرد للتلاميذ بدلا من أن تكون عامل جذب لهم, والمؤسسات الصحية فليس لها سوى بنايات خاوية من الأطباء والأدوية وربما نشهد في القريب العاجل خصخصة هذه المستشفيات والتخلص منها ومن نفقاتها, أما الثقافة فعندما يفكر البعض في تحويل مؤسساتها الى استثمارات وتمويل ذاتي ومناقلة تخصيصاتها الى وزارة الدفاع, فاقرأ على الثقافة السلام, والرياضة ليست سوى مشاريع كبرى (دسمة) ملاعب كبيرة ومدن رياضية, من دون التفكير بأساس قوي للرياضة وبناء مراكز الشباب والرعاية العلمية لانتشال الشباب من الملل والضجر وفراغ يقتله التسكع في الطرقات والتقليد الأعمى لظواهر شاذة.

احد البرلمانيين وصف الأيمو بأنها ظاهرة صهيونية تسعى لتفكيك المجتمع ... نعم هي كذلك, ولكن كيف نفذت المنظمات الصهيونية لتتغلغل داخل المجتمع العراقي وتنشر هذه الظواهر فيه؟ انه الإهمال والتجاهل الحكومي لمتطلبات الحياة اليومية للفرد والمجتمع, وهي انعكاس للفشل في معالجة المشاكل الخطيرة التي يعاني منها العراقيون من فقر وحرمان وبطالة وانعدام الأمن والفساد والاستئثار بالمال العام واتساع حدة التباين الطبقي وهذه الأسباب أدت الى تفكك اسري وانحدار في مستوى القيم الايجابية في المجتمع وتفشي البطالة والأمية والتسرب من مقاعد الدراسة, وهذه كلها ثغرات تتوسع بلامبالاة الحكومة وتجاهلها, لتجد المنظمات الصهيونية منفذا لها للدخول الى المجتمع العراقي وتبدأ فعلتها في نشر هذه الظواهر لتفتيته ونشر الفسق والفجور فيه, الأيمو لم تكن هي الظاهرة الشاذة الأولى في المجتمع العراقي, ولن تكون الأخيرة مالم تعمد الحكومة على معالجة الأسباب وغلق الثغرات وتحصين المجتمع من هذه الظواهر الهدامة.


Jun 19, 2012

الاقتصاد الأميركي ينمو باستغفال الآخرين

 

 

خالد الخفاجي

Khalid.alkhafaji@yahoo.com

 

 

 

 

يوصف الاقتصاد الأميركي بأنه الأقوى عالميا وهذا ما جعل الولايات المتحدة لان تكون قوة عسكرية هائلة أيضا, واليوم بدنا نشهد مرحلة انهيار هذا الاقتصاد وتراجعه وفقد العالم ثقته بالدولار الأميركي, حيث أثبتت الأزمات المالية المتتالية إنها كانت تطبع من العملات أكثر من قدرتها على مبادلتها بالسلع والخدمات مع بقية دول العالم بعد أن تنصلت من استبدالها بالذهب, أي إنها كانت تأكل أكثر مما تنتج, وكان العالم هو من يدفع فاتورة مائدة طعامها.  

في مؤتمر (بريتن وودز) التاريخي عام (1944) وافقت الدول المجتمعة على إيجاد نظام مالي عالمي جديد تضمن فيه كل دولة مبادلة عملتها الخاصة عند الطلب بالعملة الأميركية بسعر ثابت, وضمنت الولايات المتحدة بدورها مبادلة الدولارات عند الطلب بالذهب بسعر مقداره (35) دولار للاونصة الواحد, الأمر الذي جعل كل عملات العالم تستند على معيار الذهب بدعم من احتياطي الولايات المتحدة المخزون في أقبية (فورت نوكس Fort Knox), وهكذا باتت حكومات كثيرة تقبل الدولار بوصفه شهادة احتياطي الذهب واختارت أن تحتفظ باحتياطيها من العملات الأجنبية العالمية بالدولارات وليس الذهب.

نجح هذا النظام نجاحا معقولا لأكثر من (20) سنة, إلى أن أصبح واضحا كل الوضوح إن الولايات المتحدة كانت تخلق من العملات لتمويل توسعها العسكري والاقتصادي الهائلين على نحو اكبر مما تستطيع دعمه بما لديها من الذهب, فإذا ما قررت كل البلدان استبدال احتياطياتها من الدولارات بالذهب فان الاحتياطي المتوفر سينفد على وجه السرعة ولن يغطي ما تم طبعه من دولارات, وسيجد الذين امنوا بنزاهة الدولار إنهم لا يحملون سوى قصاصات من الورق لا قيمة لها, وللحيلولة دون وقوع هذا الاحتمال أعلن الرئيس الأميركي (ريتشارد نيكسون) عام (1971) إن الولايات المتحدة لن تفتدي بعد اليوم الدولارات بالذهب عند الطلب, وهكذا لم يعد الدولار إلا قصاصة من الورق جيد النوعية تصدرها حكومة الولايات المتحدة بعد وضع رقم محدد عليها ورسمها رسما فنيا دقيقا وأصبحت جميع العملات في العالم لم ترتبط بشيء ذي قيمة سوى التوقع المشترك إن الآخرين سيقبلون بها عند التبادل بالسلع والخدمات الحقيقية, فيما استمرت الولايات المتحدة بطبع المزيد من الدولارات المدعومة نظريا باقتصادها القوي, وعمليا فان قوة الدولار تأتي من سذاجة دول العالم بشكل عام والتبعية الإجبارية لبعض الدول العربية وخاصة النفطية منها , فالدول العربية لها ديون واستثمارات في أمريكا تفوق 2 تريليون دولار, وان أي انخفاض في قيمة الدولار يعني خسارة تلك الدول لأموالها, كما أن دولا مثل الصين واليابان وبعض دول أوروبا تخشى من انهيار الدولار والاقتصاد الأمريكي لان أمريكا اكبر الدول المستوردة لمنتجاتهم , فبانهيار أمريكا ستنهار أسواقهم فضلا عن التشابك الاقتصادي بين الدول الصناعية, فأي اهتزاز لواحدة منها تؤثر على بقية الدول, وبما أن اقتصاد أمريكا يشكل 27 % من اقتصاد العالم وهو الأكبر حجما فان انهياره يعني دمارا لاقتصاد العالم .

 

الاقتصاد الأميركي يترنح ويكاد دينها العام أن يتجاوز حجم إنتاجها القومي، وبعد سنوات قلائل ستتجاوز خدمة الدين العام فقط أكثر من 50% من حجمه وهذا يعني إن العد العكسي لانهيارها كدولة عظمى قد بدأ, دول كثيرة بدأت بتقليص حجم التداول بالدولار, فمنها من استعاضت بالتعامل بالمسكوكات الذهبية بديلا من الدولار وعملتها الوطنية الضعيفة (روسيا مثلا ) لتشجيع المواطنين على اعتمادها وبالتالي حماية اقتصادها في حال انهيار ألاقتصاد الأميركي, ودول أخرى بدأت بتحويل فائض مداخيلها إلى ذهب بدلا من الدولار (الصين مثلا) حتى لا تكون أسيرة العملات الورقية وتقلبات السوق والأنظمة الاقتصادية العالمية, وأعتقد أن العالم مقبل على مرحلة التخلص الجماعي من الاسترقاق الأمريكي والعملة المزيفة رسميا.

 

وقد نشهد في نيف من السنين إن كميات هائلة من الورق الأخضر (الدولار ) منتشرة حول العالم لم تعد ذات قيمة, وتتحول تلك الأوراق الى نفايات يجب التخلص منها, والمشكلة أن النفايات الدولارية لا يمكن تدويرها وإعادة استخدامها فيما ينفع الناس وإعادة تصنيعها ككتب ودفاتر لصعوبة معالجتها, ولا يمكن حتى في استخدامها للتدفئة (كما في احد أفلام سلفستر ستالون) لأنها نفايات ملوثة (كالسياسة الأمريكية) بالأصباغ والألوان والمواد الكيميائية الضارة , فنصيحة لمن يملك نفايات المستقبل أن يبدلها بالذهب والذي باتت أسعاره في تصاعد مستمر وربما يصل إلى أسعار خيالية في المستقبل القريب.

الأقليات وسبيل الاندماج الآمن

 

خالد الخفاجي

Khalid.alkhafaji@yahoo.com

 

في كل مجتمعات العالم يبقى وضع الأقليات حرجا دائما ومقلق,وعرضه للاختراق من القوى الخارجية الساعية لزعزعة امن واستقرار البلدان,بصرف النظر عن الضمانات التي تقدمها هذه المجتمعات للأقليات والمستمدة من قوة القوانين والتشريعات,أو من القوة التي تتمتع بها الأقلية نفسها ودورها القيادي في المجتمع,ودرجة التجانس والانسجام بينها وبين الأغلبية,وتظل الأقلية تعيش هواجس الخوف من المجهول وشعور متغير بالإحباط ينشا من عدم الشعور بالأمن,ينقص في حالة الأقلية التي قررت تحصين نفسها من المجهول والحفاظ على هويتها والانغلاق على نفسها في مجتمع مصغر متجانس وتشكل بذلك كما مترابطا يحمي الفرد ويعطيه شعورا بالانتماء يحصنه من الشعور بالضعف والإحباط,ويزداد الشعور بالإحباط في حالة الأقلية التي قررت التفكك والاندماج والذوبان في المجتمع, حيث يجد الفرد نفسه واقفا بمفرده يواجه التفرقة العنصرية والاضطهاد والتهميش,وفوق ذلك فهو يعاني شعورا بالذنب مهما كان هذا الشعور غامضا أو باهتا في تخليه عن هويته.

 قد نجد داخل الأقلية التي تنوي الاندماج فئتين هما اشد الناس عرضة للإحباط من الفئات الأخرى,وهما الأقل والأكثر نجاحا (اقتصاديا واجتماعيا),إذ إن الشخص الفاشل عندما يكون فردا من أقلية تنوي الذوبان في الأغلبية فان شعوره بالفشل يتضاعف مع شعوره بعدم الانتماء إلى الأغلبية,ونجد الشعور نفسه في أفراد الأقلية الذين وصلوا إلى قمة الهرم الاقتصادي والاجتماعي,هؤلاء ينجحون في الحصول على الثروة والشهرة ولكنهم يجدون من الصعب أن يخترقوا دوائر النجاح المغلقة بوجه الأقلية,ومن هنا يبدأ إحساسهم بالغربة والنفور من الأغلبية والسعي لإيجاد السبل لفتح الأبواب الموصدة أمامهم بشتى الوسائل حتى وان تطلب الأمر الى طلب التدخل الخارجي المشبوه.

وهكذا نرى إن اقل الناس شانا وأكثره أيضا في الأقليات التي تنوي الذوبان هم الأكثر عرضة للاختراق وأكثرهم قدرة على تنظيم أنفسهم يجمعهم هدف واحد وظلم مشترك  وبما يمتلكه الناجحون من القوة والنفوذ والتأثير القوي والمباشر في تهيئة أنفسهم لقيادة هؤلاء المحبطين.

إن انغلاق الأقليات على نفسها يفقد المجتمع جزءا مهما من مكوناته ويؤدي إلى تفشي الجفاء والكراهية بينهما, وهذا يؤدي الى خلخلة ترابط الشعب احد الأسس الثلاث لقيام الدولة (الشعب والإقليم والحكومة) وفي الوقت نفسه فان الأقلية المنغلقة تكون أكثر عرضة للمخاطر بعد تخلي الأغلبية عنها وترك شان مواجه المخاطر لها وحدها,وقد ترتكب الأقلية حماقات لا تحسب عقباها في السعي لاستقطاب الأتباع والمؤيدين,كان تتعالى على الأغلبية وتسبغ على نفسها نعوت التكبر والغطرسة أو المبالغة في مدى مظلوميتها فتتولد مشاعر سلبية من الحقد والكراهية تقود إلى إحداث هوة سحيقة ما بين الأغلبية والأقلية,فتدخل في مواجهة خاسرة مع الأغلبية ... إذا فليس للأغلبية لها من مخرج لمنع استغلال حالة التذمر والاستياء ومنع التدخل الخارجي أو المطالبة بالانفصال, سوى الانفتاح على الأقلية وفسح المجال أمامها للاندماج في المجتمع دون عوائق وكوابح عنصرية, وإشعارهم بأهميتهم  وحاجة المجتمع لهم كأفراد فاعلين فيه مع الحذر من المغالاة في منحهم الحقوق التي  تتحول الى ابتزاز عندما تفوق حقوقهم حقوق الأغلبية فتنشا كراهية مضادة, ولكن هذه المرة من الأغلبية ضد الأقلية.

الاتفاقية الأمنية وإخراج العراق من البند السابع

 

خالد الخفاجي

Khalid.alkhafaji@yahoo.com

  

الاتفاقية الأمنية شارفت مدتها على الانتهاء ولم يتبقى لنفاذ صلاحيتها سوى أيام معدودة وما زالت الولايات المتحدة لم تفي بما وعدت به لإخراج العراق من أحكام البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة وظل العراق دولة قاصرة ومارقة ومنقوصة السيادة ومازالت الأمم المتحدة لها الحق في التدخل في الشأن الداخلي العراقي متى ما تشاء, فيما ظلت الحكومة العراقية ضعيفة في مطالبتها بتحرر العراق من ربقة هذا البند وكأنها لا تعي مخاطره.

لقد جاء توقيع اتفاقية سحب القوات الأجنبية من العراق بين الحكومتين العراقية والأميركية ودخولها حيز التنفيذ اعتبارا ً من (1/1/2009) بما تضمنته بنود هذه الاتفاقية من إجراءات لإخراج العراق من أحكام الفصل السابع; وحماية أصوله في الخارج (وغيرها من المطالب الواردة في رسالة رئيس الوزراء إلى مجلس الأمن في 7 كانون الأول/ 2007)

فالمادة الخامسة والعشرون من هذه الاتفاقية تعترف:

ــ "بالتطورات الكبيرة والايجابية في العراق"

ــ وبان "الوضع في العراق يختلف أساسيا ً عن الوضع الذي كان قائما ً عندما تبنى مجلس الأمن الدولي القرار رقم 661 (1990).

ــ "وان الخطر الذي كانت تشكله حكومة العراق على السلام والأمن الدوليين قد زال".

ــ وان الطرفين يؤكدان في هذا الصدد انه مع إنهاء العمل (يوم 31/12/2008) بالولاية والتفويض الممنوحين للقوات متعددة الجنسية بمقتضى الفصل السابع (المتضمن بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 1790) فان العراق ينبغي أن يسترد مكانته القانونية والدولية التي كان يتمتع بها قبل تبني قرار مجلس الأمن الدولي رقم 661 (1990).

وكان من المفترض على الولايات المتحدة أن تعمل على تنفيذ أحكام هذه الاتفاقية من خلال ما ورد في نص الاتفاقية وهي: "إن الولايات المتحدة سوف تبذل أفضل جهودها لمساعدة العراق على اتخاذ الخطوات اللازمة لتحقيق ذلك بحلول يوم 31/كانون الأول عام 2008".

ولا يقف الأمر عند هذا الحد. فالعصي الأمريكية السحرية متجسدة في النص ألعجائبي حول "بذل أفضل الجهود" لإنهاء خضوع العراق لأحكام الفصل السابع (كما وردت نصا ً في المادة الخامسة والعشرون من الاتفاقية) تحولت إلى ضمان الولايات المتحدة "بذل أقصى الجهود" في سبيل تمكين العراق من تحقيق أهداف غاية في الأهمية لاستقراره الاقتصادي والاجتماعي والسياسي ويمكن إيجازها بما يأتي (كما وردت في نص المادة السادسة والعشرون من الاتفاقية) :

ــ تمكين العراق من الاستمرار في تنمية اقتصاده الوطني عن طريق إعادة تأهيل البنى التحتية.

ــ توفير الخدمات الحيوية الأساسية للشعب العراقي.

ــ الاستمرار في الحفاظ على موارد العراق من البترول والغاز وموارده الأخرى والحفاظ كذلك على أصوله المالية والاقتصادية في الخارج , بما في ذلك موارد صندوق تنمية العراق.

ــ دعم العراق لإعفائه من الديون الدولية الناتجة عن سياسات نظام الحكم السابق.

ــ دعم العراق للتوصل إلى قرار شامل ونهائي بشأن مطالبات التعويض التي ورثها العراق عن نظام الحكم السابق ولم يتم البت فيها بعد , بما في ذلك متطلبات التعويض المفروضة على العراق من قبل مجلس الأمن الدولي.

ــ يمارس رئيس الولايات المتحدة سلطاته لتوفير الحماية لصندوق تنمية العراق ولممتلكات أخرى معينة, يملك العراق نصيباً فيها, من العمليات القضائية الأمريكية. وستبقى الولايات المتحدة ملتزمة بشكل كامل وفعال مع الحكومة العراقية فيما يتعلق باستمرار هذه الحماية, وبخصوص تلك المطالبات.

 

وهاهي عامان تمضي منذ التوقيع على هذه الاتفاقية والولايات المتحدة لم تحرك ساكنا للإيفاء بوعودها وتعهداتها... وأربعمائة مليون دولار سلمتها الحكومة العراقية  وهي صاغرة لأمريكيين كتعويضات عن خسائر مزعومة لإخراجها من هذا البند, وما زالت تتبع معسول الكلام من دون المطالبة بالأفعال... ولازال العراق مطاردا ً بمطالبات الدائنين... لدرجة اضطر معها لتصفية شركة طيرانه الوطنية الوحيدة ليفلت من جزء يسير من التعويضات المترتبة عليه, وما يطالب به الأشقاء العتيدون قبل الأصدقاء القدامى, والأعداء القدماء قبل الأصدقاء الجدد...

الاحتراب الأليكتروني الطائفي

خالد الخفاجي

 

        يتخندق مروجو الفتن وأصحاب الأغراض الدنيئة لإيقاظ عقد التأريخ وإبراز الخلافات وتعميقها, وتجسديها بطريقة تنم عن جهل وتجاهل لمشاعر بعضا من الناس وإلغاء وجودهم, واستخفافا بعقول البعض الآخر انسجاما مع الأهداف السياسية لإبقاء العراقيين في شغل شاغل بهذا النوع من المناكدة تلهيهم عن مآلات الوضع في العراق, وانعكاسا للازمات السياسية إن لم تكن هي جزء من هذه الأزمات وعملية التسقيط السياسي بين الأحزاب.

        وقد بان بشكل جلي إن الطائفيين قد اتخذوا من مواقع التواصل الاجتماعي جبهة ملائمة للاحتراب, فازدهر التنابز الطائفي والسب والشتم للرموز الدينية لهذا المذهب وذاك، أو هذا السياسي وذاك, فما يكاد موضوع يطرح إلا وتوجهت بوصلة النقاش لإثارة الفتن والأحقاد بتعمد ممنهج, ليصبح التخندق الرقمي الطائفي مجسدا للكثير من ظواهر الاقتتال على ارض الواقع ومنسجما مع طبيعة الأزمات السياسية, والملاحظ إن هذا الخواء الطائفي لا يصدر عن جهلة ومراهقين وحمقى وحسب، ولكن المصيبة انه يصدر عن مدّعي العلم والزاعمين إنهم يحملون على ظهورهم أسفاراً من الكتب والمفاهيم والثقافة, صفحات لصحفيين وإعلاميين وبعضم أو في الأحرى بعضهن يختبئن تحت واجهة (ناشطة) وما أكثرهن، وصفحات اخرى لنواب في البرلمان تتعمد نشر الحقد والكراهية من خلال تعليقات لا تخلو من وضاعة تنم عن شخصية المعلقين وأصحاب الصفحات الذين سمحوا لتكون صفحاتهم مكبا للنفايات, وعلى الآخرين (مرغمين) أن يشموا روائحها النتنة وان يكونوا سبيلا وشركاء معهم في تمرير هذه القاذورات إلى أصدقائهم ومعارفهم عبر صفحات التواصل الاجتماعي. لماذا يتخندق العراقيين كلما نعق ناعق وتلفظ  بالقاذورات اللفظية ليشفي غليل هذا السياسي أو ذاك والبرهنة على إنهم من أنصار المذهب ؟ ... ولم هذه المحاباة لامعات من أشباه المثقفين الذين استعان بهم الساسة كمحاربين اليكترونيين لتجييش الطوائف بعضها ضد بعض, أو من يتنكر خلف اسم وهمي في مواقع التواصل الاجتماعي وتهافت السذج بتعليقاتهم السقيمة تأييدا وتملقا, خاصة إذا كان الحساب يضع صورة واسم فتاة ؟ ... وماذا عسانا أن نقول ومروجو الفتنة وقد بلغوا أرذل العمر أو ارفع المناصب هم من يعتلي منابر التمزيق والتشتت، ويفترض أن تكتسي شيباتهم الوقار والحياء، أو على الأقل احترام ذاتهم والابتعاد والترفع عن الجدال العقيم والمراء السقيم، بدلا من تأجيج العوام المنغمسين في نار البغض والكراهية. 

        في المقابل هل السب والشتيمة كفيل بإصلاح ما يسببه فعل شخص أحمق أو متهور أو عميل في جيش اليكتروني لجهة ما داخلية او خارجية ؟ وهل الدخول في مثل هذه المساجلات المريضة يحل المشاكل ويحدّ منها ويردع المرتزقة الذين يقتاتون عليها ؟

       لننبذ الطائفية من صفحات التواصل الاجتماعي, فهي الأخطر في سرعة وصولها إلى السذج والجهلة بخطاب موجه, ومن ثم في استخدامهم أيضا كواسطة لنشر هذه الأكاذيب عبر صفحاتهم, والقدرة على بث الأكاذيب والإشاعات دون الحاجة إلى مصادر إخبارية موثوقة, فإذا كان من الحكمة أن لا يجادل الأحمق وقيل "إن جواب الأحمق السكوت" ففي هذا الموضع لا يكفي السكوت والتجاهل ليكون جوابا لحماقة مروجو الفتن, فهناك الحذف والحضر والإبلاغ, هي وسائل فعالة لنبذ الطائفية والحفاظ على القيم والمبادئ والروح الوطنية للعراقيين, لنقم بحملة جماعية لتقييم أصدقاء الفيسبوك والتويتر, لتفحص مشاركاتهم, وتعليقاتهم, وحتى أصدقاء الأصدقاء, لأنهم بالتأكيد مسؤولين عن خياراتهم, لنرى صفحاتنا وقد خلت من الحمقى .

أكباش التضحية لأمير شاذ

     

 

الكاتب: خالد الخفاجي   

الأحد, 30 حزيران/يونيو 2013 23:18

Ad by BestPricesApp | Close

 

خالد الخفاجيلايجوز تكرار النشر دون الأشارة لمجلة سطور

 

ابتدأ أمير قطر الجديد مشواره مع السلطة في التضحية بأكباش ترعرعت وسمنت في حظيرة قطر الخيانية وكان لها دور خطير في زعزعة امن واستقرار المنطقة, فانهمكت وسائل إعلام ومحللين مؤدلجين للتمجيد بالأمير الجديد, وإسباغ نعوت الكياسة والاعتدال عليه, والحديث عن سياسة تصحيحية (لتميم) يصلح فيها ما أفسده خلفه, إلا إن المتتبع للحدث السياسي يدرك جيدا أن قطر لن تتخلى عن دورها كواسطة لتنفيذ المشاريع الصهيو- أميركية وإشغال المنطقة بأزمات مستديمة تتحدد فيها خارطة جيو- سياسية جديدة تكون فيها الغلبة لإسرائيل كقوة إقليمية, حتى وان اظهر (تميم) بوادر التخلي عن أسلحة قطر الفتاكة وأذرعتها الأخطبوطية الضاربة التي عهدتها المنطقة وتلظت بسعيرها, والتخلص منها كأكباش تضحية لإثبات حسن النوايا.
أول أكباش أمير قطر الجديد كان (خالد مشعل) زعيم " حركة حماس" الذي انكشفت جاسوسيته وعمالته بانسحابه المفاجئ من معسكر المقاومة إلى معسكر المؤامرة مع بدء الأزمة السورية, فكانت التضحية به هي الفصل الأخير من عملية إسدال الستار عن حركة جهادية حقيقية آلت إلى مشعل بعد سلسلة من الاغتيالات المتتالية طالت قياداتها المعهود عنها بالتمسك بالثوابت الوطنية الفلسطينية, و"مشعل" الذي اكتفى الموساد بمحاولة فاشلة لاغتياله في "عمان" وخرج منها بطلا شعبيا وطد بعدها علاقاته مع دمشق ونقل مقر إقامته إليها, وتحالف مع "حزب الله اللبناني" وأشرك مقاتلي "حماس" في تدريبات "حزب الله" لاكتساب المهارات القتالية, فكانت وسيلة بارعة لكشف خططهم وأساليبهم لإسرائيل, وكان مقاتلي "حماس" في طليعة القوى الإرهابية التي ساهمت في تدمير سوريا, فانتهت مهمة "المشعل" بتحويل بوصلة الصراع لحركة حماس من مقاومة إسرائيل إلى مجابهة قوى المقاومة, ومن منظمة جهادية إلى منظمة إرهابية تخدم مصالح الغرب وإسرائيل.
الكبش الثاني المترعرع في الحظيرة القطرية هو الشيخ الأخواني (يوسف القرضاوي) صاحب الفتاوى السياسية المثيرة للجدل, الذي طفا إلى السطح في غفلة من الزمن بدعم مادي وإعلامي هائل ليستقطب الأضواء ويسحب بهيئته "هيئه علماء المسلمين" الوهمية البساط من تحت أقدام بقية العلماء المسلمين رغم كل ما يحيط به من شبهات, و"لتميم" ثار قديم مع "القرضاوي" حينما كان يتمتع بحماية الدوائر الغربية وإصداره فتوى نقلتها الجزيرة بتاريخ "5 آب 2005" تقضي بإقامة الحد على الأمير "تميم" على خلفية شذوذه الجنسي وممارسة اللواط خلال إقامته في لندن وافتضاح أمر علاقته بعشيقه البريطاني (مايكل هيرد) وتردده على ملهى ليلي للشواذ الجنسيين في لندن, ودعا إلى إقامة الحد الشرعي عليه ورجمه حتى الموت حسبما تنص عليه الشريعة الإسلامية, ومع نهاية دور "القرضاوي" وإنهاء حماية الدوائر الغربية والإسرائيلية له فيبدو إن التضحية بشيخ زائف أشعل فتن طائفية مازالت نيرانها مستعرة أضحت من المسلمات لترقيع صورة متهرئة لأمير شاذ.
ولعل آخر الأكباش المحتضرة هي صاحبة عصب السبق في صناعة الفبركات الإعلامية, والتضليل والتهويل والغش والخداع قناة الجزيرة, حيث ما عادت لهذه القناة المعتلة القدرة على استقطاب المشاهد العربي وانخفضت نسبة المشاهدة إلى 10% فقط مما كانت تحظى به قبل الثورات العربية, فيما شطبها المتتبع للحدث السياسي من قاموسه كمصدر من مصادر معلوماته, فإعادة هيكلة القناة ورسم سياساتها من جديد مع الاستغناء عن الكثير من كوادرها الذين باتت طلتهم تصيب المشاهد بالاشمئزاز والقرف, تبدو ضرورية لبث الروح فيها من جديد وتمكينها من استعادة مشاهديها مجددا وغرس مفاهيم جديدة متسايرة مع الخطط المعدة للأمير الجديد, فدور قطر مازال محوريا في المنطقة لما تملكه من موارد مالية متراكمة ورغبة في السباحة عكس تيار الرغبات العربية والإسلامية, فسياسة قطر البراغماتية المرسومة بعناية فائقة في دهاليز المخابرات الأميركية والموساد مهيأة لتكون في حالة من التجدد المستمر, وصناعة دائمة للبدائل الجديدة من أدوات التآمر أو إعادة تأهيلها لتكون بإمرة الأمير الجديد في تنفيذ سياساته الجديدة.
رئيس الرابطة الوطنية للمحللين السياسيين
Khalid.alkhafaji@yahoo.com

تحديد الفترات الرئاسية بين ثغرات الدستور وثغرات العقول

Published February 3, 2013 | By صحيفة الاستقامة الالكترونية

خالد الخفاجي

رئيس الرابطة الوطنية للمحللين السياسيين

Khalid.alkhafaji@yahoo.com

 

    مع تصويت مجلس النواب على قانون تحديد الفترات الرئاسية برزت أزمة أخرى اختبأت تحت الرماد بانتظار انجلاء أزمة التظاهرات لتتوقد بعد حين وتضع المحكمة الاتحادية أمام اختبار جديد لإثبات استقلاليتها في تفسير المواد الدستورية ومدى انصياعها لرغبات المستأثرين بالحكم والحلقة الضيقة المحيطة برئيس الوزراء وأطراف أخرى يرتبط بقاءها على الساحة السياسية ببقائه في سدة الحكم.

    ولعل من المفارقات الغريبة هو ادعاء عدم تضمين الدستور لمادة تحدد عدد فترات ترشيح منصب رئيس الوزراء ذو الصلاحيات التنفيذية الواسعة في الوقت عينه الذي حدد فيه الدستور عدد ولايات منصب رئيس الجمهورية الذي لا يعدو كونه منصبا فخريا بلا صلاحيات تذكر, حيث يذهب ائتلاف دولة القانون في اعتراضه على قرار تحديد الفترات الرئاسية بجملة من الأسباب المتناقضة مع روح المواد الدستورية وأبرزها تعارضه مع “المادة 68″ التي حددت اشتراطات الترشيح لمنصب رئاسة الجمهورية, حيث نصت (المادة 77/ أولا :ـ يشترط في رئيس مجلس الوزراء ما يشترط في رئيس الجمهورية، وان يكون حائزاً الشهادة الجامعية أو ما يعادلها، وأتم الخامسة والثلاثين سنةً من عمره) واشتراطات الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية وفق “المادة 68″ نصت:

  يشترط في المرشح لرئاسة الجمهورية أن يكون:

أولا :ـ  عراقياً بالولادة ومن أبوين عراقيين.

ثانياً :ـ كامل الأهلية وأتم الأربعين سنةً من عمره .

ثالثاً :ـ ذا سمعةٍ حسنةٍ وخبرةٍ سياسيةٍ ومشهوداً له بالنـزاهة والاستقامة والعدالة والإخلاص للوطن.

رابعاً :ـ غير محكومٍ بجريمةٍ مخلةٍ بالشرف.

ثم أضيف شرط آخر للمرشح لرئاسة الجمهورية, حيث نصت (المادة 72/ أولا-  تحدد ولاية رئيس الجمهورية بأربع سنوات، ويجوز إعادة انتخابه لولاية ثانيةٍ فحسب), وهذا شرط آخر يجب توافره للترشيح لمنصب رئيس الجمهورية نص عليه الدستور أيضا مضافا إلى “المادة 68″ المذكورة من شروط تولي رئيس الجمهورية, وهذا يعني بديهيا إن لا ولاية ثالثة لرئيس مجلس الوزراء ما دام الترشيح لمنصب رئيس مجلس الوزراء بنفس شروط الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية فتكون الشروط المطلوبة في رئيس الجمهورية هي ذاتها الواجب توافرها في رئيس مجلس الوزراء حيث إن “المادة 77/ أولا” لم تحصر الشروط في “المادة 68″ فقط وإنما جميع ما يشترط على منصب رئيس الجمهورية، وان الأخذ بالمعنى الضيق لكلمة الشروط وحصر معناها بما جاء في “المادة 68″ فقط يعني الانتقائية في الأخذ بمواد الدستور وتجاوزا على مبادئه.

إن المأزق الحقيقي الذي تمر به العملية السياسية يكمن في وقوع الدستور ضحية للانتقائية والتفسيرات الكيفية لساسة نافذون سلطويون سهل مهمتهم آخرون من الساسة دون قصد يجهلون تماما ما تضمنه الدستور من مواد وماهية تفسيراته تمرر عبرهم المواد الدستورية مشوهة ومغلوطة وما عليهم إلا الإذعان والإقرار به

اقتصاد السوق وإجراءات معالجة التباين الطبقي

 

خالد الخفاجي

 

   كان للتحول الاقتصادي الفوضوي والغير مدروس في العراق بعد عام (2003) أثره البالغ في ارتفاع حدة الفقر وارتفاع مستوى التباين الطبقي بين أفراد المجتمع, فقد كان تحولا عشوائيا ودون دراسة معمقة لوضع آلية للانتقال التدريجي من النظام الاشتراكي الى النظام الرأسمالي, ومحاولة تجنيب الطبقات الفقيرة للتبعات السلبية لهذا التحول.

   ومن المعلوم إن الاقتصاد الحر يقوم على مبدأ عدم التدخل في الأسواق, وان هذا المبدأ يترك أعدادا هائلة من أفراد المجتمع تقع تحت طائلة نظام اقتصادي مفترس, يزداد فيه الغني غنى, والفقير فقرا, ومن اجل معالجة الآثار السيئة لاقتصاد السوق فان هنالك عدة إجراءات فاعلة لمجابهتها, تطبق في جميع الدول الغربية والكثير من الدول النامية التي وضعتها موضع التنفيذ بعد أن شهدت أزمات سياسية وانتفاضات شعبية بالغة الخطورة ومن هذه الاجراءات :

الإجراء الأول : وهو الأكثر شيوعا في الدول الغربية لتقليل الفوارق الطبقية بين أفراد المجتمع, ويقوم على أساس إعادة توزيع الثروات ومعالجة الفقر, عن طريق برامج الضرائب وإعادة توزيع الثروات, ففي الدول الغربية تساعد هذه الإجراءات على إعادة التوزيع القوية للثروات ودورها في تخفيف الآثار الحادة للرأسمالية مثل (الضرائب التصاعدية) والتي غالبا ما يشكو منها الأثرياء في هذه الدول, وإجراءات الأمن الاجتماعي وإعانات العاطلين, والضمان الصحي, ورعاية الأيتام والمسنين, وغيرها من البرامج التي تنشا مع نشوء المشكلة لتطويقها ومعالجتها, أما في الدول النامية فان هنالك تلكؤا واضحا في تطبيق هذه الاجراءات, وان إعادة التوزيع الحقيقي لسياسات الضرائب والتحويل محدودة جدا في هذه الدول, بسبب المزج الحاصل بين السلطة والاقتصاد مما يجعل إن هنالك تداخلا قويا فيما بينهما تؤثر سلبيا على القرارات المتخذة, فالضرائب في الدول النامية تكاد أن تكون (صفر) كما انه من العسير وضع برامج نزيهة لإعادة توزيع الأموال كالتي توجد في أنظمة التوزيع الغربية.

الإجراء الثاني : وهو الإجراء الذي اقترحه العالم الاقتصادي البيروفي (هيرناندو دي سوتو) في منتصف تسعينيات القرن الماضي في كتابه (غموض رأس المال), ويتلخص في إعطاء الفقراء في الدول النامية حقوق ملكية مشروعة قانونا, واقترح بشكل خاص على تحفيز أعمال أكثر شرعية ضمن نظام الملكية الرسمي, وإعطاء المستوطنين ( المتجاوزين على الأملاك العامة) حق الملكية الشرعية بدلا من إخلاءهم وتشريدهم, ويعتقد (دي سوتو) إن إضفاء قدر من (الحق الرسمي) مقترنا باقتصاد السوق يمكن أن يقضي على إحدى المشاكل الرئيسية للفقر بسرعة فائقة وعلى نطاق واسع, وقد أخذت مقترحاته على محمل الجد وتم تأسيس الكثير من المجمعات السكنية في الكثير من الدول وخاصة دول (أميركا اللاتينية) أضفت عليها الصفة الشرعية القانونية ووفق النمط الذي وضعه (دي سوتو), والحقيقة إن هذا المقترح كان قد سبقه اليه الزعيم الراحل (عبدالكريم قاسم) بعشرات السنين, وأزال فيها مخلفات الرأسمالية الملكية التي تركت أعدادا هائلة من الفقراء تسكن العشوائيات, وأعاد ترتيبها وأضفى الصفة القانونية والرسمية عليها.

الإجراء الثالث : يتمثل في اتخاذ إجراءات لمنح الغالبية الفقيرة (سندات تمليك) في مؤسسات الدولة وأسواق رأس المال, خاصة عند البدا بعمليات الخصخصة التي ستولد أعدادا كبيرة من العاطلين, حيث تتم معالجة هذا الوضع بتحويل عوائد الخصخصة ومنح هؤلاء العاطلين والفقراء مجموعة من الأسهم لتكون دخلا ثابتا لإعانتهم على متطلبات الحياة, كما حصل عند التحول الاقتصادي لجمهوريتي (الجيك والسلوفاك) وتحويلهما لعوائد الخصخصة لأفراد الشعب من الفقراء كأسهم وسندات.

   ويعني هذا أن يكون لأعداد كبيرة من الفقراء (أسهما وسندات تمليك) في أسواق رأس المال الخاص في مجتمعاتهم, إن المنافع قد تكون كبيرة جدا على المستويين السياسي والاقتصادي, وهذا سيخلق فرصا متساوية في السوق لتطوير الملكية المشتتة وتشجيعها, وربما لا تحقق مكاسب مهمة في إعانة الفقراء فحسب, بل في خلق مجتمعا أكثر انفتاحا وديناميكية.

الإجراء الرابع : (برامج العمل الايجابي), وهو الإجراء شيوعا والأكثر جدلا واعتراضا من قبل المؤسسات الرأسمالية, وتنطوي على تدخل الحكومة المباشر على الأسواق وتصحيح الاختلالات الحاصلة في توزيع الثروات, ودعم الطبقات الفقيرة دعما مباشرا أو غير مباشر من خلال دعم الأسعار ودعم مشاريع الأفراد لخلق فرص العمل وإنشاء منظومة واسعة من منظمات المجتمع المدني التي تأخذ على عاتقها تقديم الدعم اللازم للطبقات الفقيرة, وتعد هذه البرامج مثار اعتراض الولايات المتحدة الشديد عليها, وتطبق هذه البرامج على نطاق واسع في كل من (ألمانيا, اليابان, الدول الاسكندنافية, كندا, استراليا, ماليزيا, كوريا الجنوبية).

   وإذا ما وضعنا المسائل المتعلقة بالاقتصاد الحر وقوانينه جانبا, فان وضعا تعيش فيه الغالبية الكبرى من المواطنين في فقر مدقع, في وقت تسيطر فيه أقلية مهيمنة على معظم ثروات الدولة يشكل في حد ذاته حالة من اللااستقرار السياسي والاقتصادي, خاصة عند اقترانها بتطبيق سريع للديمقراطية هذا من جانب, من جانب آخر فان برامج العمل الايجابي), إذا ما حظيت بموافقة الغالبية العظمى من السكان, فإنها تمثل شكلا من أشكال الديمقراطية, وعليه فان هذه المحصلة بالغة الحرج بالنسبة لخبراء (صندوق النقد الدولي) أو للساسة الاميركان من التدخل باسم الاقتصاد الحر.

   إن على مخططي الاقتصاد العالمي من خبراء (الصندوق والبنك الدوليين) أو المستشارين الاقتصاديين الأميركيين الذين انتشروا في أرجاء العالم لنشر ديمقراطية الأسواق, أن يتوخوا الحذر في عدم فرض آراءهم السلبية عن التدخل الحكومي و(برامج العمل الايجابي), أو محاولة تطبيق سياسات وفرضها على مجتمعات تختلف تمام الاختلاف مع مجتمعهم.

استقلالية القضاء وفضائح التسييس

 

خالد الخفاجي

يدور الحديث كثيرا عن القضاء العراقي ومدى استقلاليته, والحديث بهذا الشأن ليس وليد الأزمة الحالية على خلفية الاتهام الموجه لنائب رئيس الجمهورية (طارق الهاشمي), بل يمتد الى ابعد من ذلك ليتشعب ويشمل قضايا أخرى بالغة الحساسية, إلا إن قضية الهاشمي تمثل أنموذجا حيا على (استقلالية القضاء), ففي هذه القضية نجد إن ملفات أخفيت عن القضاء لثلاث سنوات تخللها تبوء المتهم لمنصب بالغ الأهمية, ثم تقدم الملفات ويستأذن القضاة من رئيس الوزراء لاستصدار مذكرة القبض بعد تسهيل مغادرته الى إقليم كردستان ... ومن ثم طلب الحكومة المركزية من حكومة الإقليم بتسهيل هروبه الى الخارج, وهذا ما أكده رئيس الإقليم (مسعود البرزاني) في آخر تصريحاته المدوية بشان القضية.

فأي استقلالية ظلت للقضاء وهو يستأذن لإصدار مذكرة القبض, وأي قضاء هذا الذي ترك من عطل سير العدالة وأخفى وهرب المتهم دون أن تطاله العدالة؟

إن الحديث عن استقلالية القضاء يبدو واهيا مع تعطيل المادة (89) من الدستور والخاصة بتحديد السلطة القضائية وأجهزتها وتعطيل القوانين التي تنظم عملها بتعمد واضح للإبقاء على تركيبة رئاسة مجلس القضاء الأعلى اللاشرعي المشكل بأوامر الحاكم المدني (بول بريمر) الذي استساغ عمل الكثير من رموز النظام السابق لترؤس مجلس القضاء الأعلى لخبرتهم في تدعيم الأنظمة الديكتاتورية ولو طبقت إجراءات الاجتثاث بحقهم لانهارت السلطة القضائية برمتها, وهذا ما جعل رئيس مجلس القضاء الأعلى يربض في منصبه منذ عام (2004) رغم تجاوز عمره الخامسة والثمانين (مواليد 1927), واخذ على عاتقه تشكيل الأجهزة القضائية الأخرى لتسير على نهج (مجلس شورى الدولة) الذي ترأسه لغاية سقوط النظام السابق وقولبة القوانين وفق العرض والطلب السياسي كفتواه القانونية لطاغوت العصر (البيعة الأبدية) المنشورة في جريدة القادسية في يوم 15/10/2002, فليس غريبا إذا أن نجد السلطة القضائية وقد تحولت الى ألعوبة بيد بعض الساسة النافذين.

القضاء خلق أزمة كبيرة ما زالت انعكاساتها السلبية تضرب بأطنابها بقوة في المشهد السياسي بتفسيره الموارب للكتلة الأكبر الفائزة بالانتخابات, التي غيرت موازين القوى واتجاهات التحالفات السياسية, ويسير قدما في ترسيخ الحكم الفردي وتجريد السلطة التشريعية من صلاحياتها وتحويلها للسلطة التنفيذية بخلاف ما نصت عليه النصوص الدستورية, فكان قرار المحكمة الاتحادية في ربط الهيئات المستقلة برئيس الوزراء بقرار متناقض مع قرار سابق لها فيما يتعلق بهيئة النزاهة, وجعلت رئيس الوزراء هو المتحكم بهذه الهيئات حتى في تنصيبه لمن يشاء في رئاستها, وهذا تجلى في طعن المحكمة الاتحادية لقانوني هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية وحولت حق اختيار رؤساء هذه الهيئات من مجلس النواب الى رئاسة الوزراء, رغم تأكيد الدستور على استقلاليتها وارتباطها بمجلس النواب, وهذا سينعكس أيضا على بقية الهيئات المستقلة.

والقضاء (المستقل) ساهم كثيرا في حماية الفساد وترسيخه, فلن نجد مسؤولا كبيرا وقد قبع خلف قضبان الحديد عقابا على أفعاله الشائنة وسرقته للمال العام, فانتشر الفساد كانتشار النار في الهشيم, بل وعمد الى تقديم التسهيلات لهم ونقل قضاياهم من محكمة لأخرى, أو بإلغاء أوامر القبض الصادرة بحقهم بذرائع واهية رغم انف مجلس النواب وهيئة النزاهة...  والقضاء تحول أيضا الى امتياز من الامتيازات يتمتع به المحظيين دون غيرهم, فاحد النواب المتهمين بقضية قتل مع ابن شقيقه نقل قضيته من محافظة بابل الى بغداد بعد انشقاقه من كتلته وإدلاءه بتصريحات ضدها, فالمادة (55) التي تجيز للمتهم من نقل قضيته من محكمة الى أخرى هو امتياز خاص لا يتمتع به سوى المحضيين ... والقضاء وسيلة للنفي وليس لإحقاق الحق, وهذا يتجلى في إصدار أوامر القبض بحق بعض المسؤولين وإبلاغهم بها وهم في المطارات فيرحل دون عودة أو أثناء وجوده خارج العراق فيبقى دون عودة, تما ما كما في قضية الهاشمي ... واستل القضاء سيفه البتار ليكمم الأفواه ويقوم بترويض الإعلام بتهمة القذف والتشهير ونجح في ذلك الى حد كبير, وطالت هذه التهمة الكثير من النواب أيضا.

ولعل أسوا ما يمكن أن يصل إليه القضاء عندما يبلغ السوء به ليكون وسيلة للابتزاز السياسي في دولة يقال عنها بأنها ديمقراطية, فكم من أوامر القبض الصادرة بحق مسؤولين كبار معلقة منذ أعوام وشهور ومازالوا في مواقعهم, لكنها تفعل ويلوح بها عند التضارب في المصالح أو المواقف لاستمالتهم وتطويعهم, وأوامر أخرى تلغى بلمح البصر ويضرب بها عرض الحائط وكان شيئا لم يكن بعد مفاوضات وتنازلات وتحالفات تجري خلف الكواليس ... أنها طريقة سمجة وساذجة للتلاعب بالقضاء وتحويله الى وسيلة لترسيخ الحكم الاستبدادي الفاسد.

إن معيار استقلالية القضاء لاتبرهنه النصوص المكتوبة في الدستور التي تعكس مظاهر نظرية زائفة، والتي تنص على استقلالية السلطة القضائية، وكون المواطنين سواسية أمام القانون وللمحاكم حق مقاضاة جميع الأفراد في الدولة بغض النظر عن مكانتهم الوظيفية والاجتماعية، بل يحق للمحاكم حتى من مقاضاة الحكومة..وغيرها من العبارات المنمقة والرنانة التي لم نجد لها أي اثر حقيقي على ارض الواقع إلا بحدود ضيقة تعتمد الى حد كبير على اعتزاز القاضي باستقلاليته الذاتية وشجاعته ونزاهته لتحقيق العدالة.

استبدال المقاعد التعويضية والخروج عن المألوف

 

يبدو إن الخروقات الدستورية والقفز على القوانين أصبح نمطا سلوكيا عاديا لا يجوز تصنيفه على انه سلوك منحرف أو عده على انه فسادا سياسيا طالما تمتع الساسة بمزايا هذه الخروقات, حيث لا يفوت الساسة مناسبة إلا واثبتوا  ابتعادهم عن المعنى الحقيقي للديمقراطية, ومحاولة إرساء وترسيخ منهج الاستحواذ ووضع اليد على حقوق الغير وبطرق افعوانية لا تمت للديمقراطية بصلة.

احد ابرز الخروقات الدستورية التي أثلجت صدور الفاشلين في الانتخابات, هو عملية استبدال المقاعد التعويضية للنواب المستازرين, فوجدوا فرصتهم في الزج بأنفسهم أو زج المحسوبين والمنسوبين كبدلاء دون وجه حق, ومن يدري فقد يكون هنالك مزادا قد عرضت فيه هذه المقاعد شبيها بمزاد الوزارات يكون السعر هو معيار المفاضلة في اختيار البدلاء, نافذين من ثغرة قانونية وضعت جهلا او مع سبق الإصرار والترصد ليكون هنالك تناقضا مابين قانون الانتخابات لعام (2006) وقانون الانتخابات لعام (2010) في تفسير البديل من أن يكون من ضمن الكتلة او من ضمن الائتلاف, وفسر الساسة هذه الثغرة بما تمليه عليهم غريزتهم الاستحواذية ووجد البعض منهم انها الفرصة الذهبية لولوج المعترك السياسي مجددا بعد أن اثبتوا فشلهم في الانتخابات ورفض الناخب لهم, فيما فضل بعض رؤساء الكتل على استبدال النواب المستازرين بآخرين ممن  لا تتوفر فيهم أدنى الشروط المطلوبة.

ومع إن قانون الانتخابات لعام (2006) صريح ولا يقبل التأويل حيث جاءت المادة الثانية منه (( أن تكون كل محافظة وفقا للحدود الإدارية الرسمية دائرة انتخابية واحدة, وان تعويض المقعد الشاغر يجب أن يكون من نفس الدائرة الانتخابية, ولمن يلي الفائز في عدد الأصوات مباشرة)), وهذه المادة هي نفسها أعيدت صياغتها في قانون الانتخابات لعام (2010).

وهكذا فان البديل ووفق ما يفسره القانون والمنطق, هو الخاسر الأكبر دون العتبة الانتخابية, ومن الدائرة الانتخابية نفسها, وليس بكونه مرشحا من هذه الدائرة فحسب او من دائرة أخرى على حساب هذه الدائرة, إلا إننا نرى أن البديل قد أصبح امتيازا يخص به أصحاب الحظوة والمقربين من رؤساء الكتل, فقد زج ببديل عن محافظة صلاح الدين بدلا من احد أعضاءها المستازرين بعضو أخر كان قد دخل الانتخابات كرئيس كتلة عن محافظة بغداد ولم يحصل على إلا على بضعة أصوات, واستبدل عضو اخر عن محافظة ميسان بأخر من محافظة البصرة, وآخرون استبدلوا دون أن تتوفر فيهم الشروط القانونية ولم يحصلوا على ما يؤهلهم ليكونوا بدلاءا في مجلس النواب.

ورغم تنصل المحكمة الاتحادية ورفضها إعطاء الفتوى القانونية بذريعة خروجه عن صلاحيات المحكمة وان مهمتها تتحدد في وضع التفسيرات للنصوص الدستورية وحسب, وإعادتها الامر إلى رئاسة مجلس النواب كونه من صلاحياته, إلا إن رئاسة مجلس النواب ومع مرور أكثر من شهر ما زالت لم تبت في الامر لحد ألان, وما زال الأعضاء المستبدلين يتخذون مواقعهم في مجلس النواب وكان الامر بات محسوما لصالحهم, ويبدو إن مجلس النواب سينهي ما بدا به في عملية الاستبدال قبل أن يوقفها رئيس المجلس بسبب الدعاوى المرفوعة ضده من قبل المرشحين الخاسرين المغبونين, خاصة إن الأعضاء المستبدلين هم من أصحاب النفوذ لدى رؤساء الكتل, ومهما ستكون النتائج التي ستتمخض عنها نقاشات مجلس النواب بهذا الشأن, فإنها لن تخرج عن إرادة الكتل السياسية المتنفذة وتوافقاتها, لذلك فان استبدال المقاعد التعويضية يثبت بما لا يقبل الشك, إن مصطلح الديمقراطية في العراق هو شعار يرفع لا يجيد الساسة التعامل معه فكرا وعملا, وان الانتخابات هي وسيلة لإضفاء الشرعية على نظام الحكم وليس لوصول الاصلح. 

أزمة السكن ... وتنصل الدولة عن مسئولياتها

 

يعاني العراق من أزمة حادة في السكن بدأت بوادرها بالظهور بشكل جلي بعد فرض العقوبات الدولية على العراق عام (1990) وتدهور الوضع الاقتصادي وارتفاع معدلات التضخم وضعف قدرة الدينار العراقي الشرائية هذه الأسباب أدت إلى انخفاض عمليات البناء بشكل كبير حتى أصبحت لاتشكل أي نسبة مئوية تذكر مقارنة مع الزيادة الطبيعية لمعدل نمو السكان, وبعد سقوط النظام السابق عام (2003) والتحسن الكبير الذي طرأ على مستوى دخل الفرد وارتفاع قدرته الشرائية لبعض شرائح المجتمع وازدياد الطلب على العقارات بدأت هذه المشكلة تطفوا على السطح لتلقي بظلالها على شرائح أخرى لم تستطع مجارات الارتفاع الكبير في أسعار هذه العقارات أو بدلات إيجارها ولتكون إحدى ابرز الأزمات التي يعاني منها المجتمع العراقي.

خبراء الأمم المتحدة يقدرون حاجة العراق من الوحدات السكنية بأكثر من (3,5) مليون وحدة, أما وزارة الأعمار والإسكان فقد حددت احتياجات العراق الحالية من الوحدات السكنية ب(1,5) مليون وحدة سكنية وان الحاجة الفعلية للوحدات السكنية لغاية عام (2015) تبلغ (3,5) مليون وحدة سكنية وترتفع احتياجات العراق إلى (6,8) مليون وحدة عام (3030)ووفق نسبة زيادة في النمو السكاني تبلغ (3%) ومتوسط حجم الأسرة يبلغ (5-6) فرد, ونسبة اندثار المباني القائمة تبلغ (5%) وان معدل بناء الوحدات السكنية يجب أن لا يقل عن (350) ألف وحدة سكنية لكل عام, هذه التقديرات كانت وفق دراسة الوزارة المعدة عام (2006) وإذا ما اضفنا توقف مشاريع الإسكان للفترة المنصرمة وعدم تخصيص الأموال اللازمة لوزارة الأعمار والإسكان لانجاز مهماتها حيث إن التخصيصات المالية للوزارة لهذا العام لا تزيد عن (0,8%) من الموازنة العامة ثلث هذا المبلغ فقط قد خصص لمشاريع الإسكان أي ما يعادل (298) مليار دينار عراقي, مما يدل على عدم جدية الحكومة في حل هذه الأزمة والاعتماد على المستثمرين, فان المشكلة تكون قد تفاقمت,وباستثناء بعض المشاريع الاستثمارية الهزيلة التي لا تلبي الطموح لأسباب منها إنها تبنى بتقنيات أربعينيات القرن الماضي وفي مناطق نائية وبعيدة عن مراكز المدن وبأسعار مرتفعة جدا, مما يجعلها عديمة الجدوى الاقتصادية وما إذا كان المواطن الذي يعاني من هذه الأزمة قادرا على اقتناء حاجته منها أم لا, فمعدل الأسعار المنجزة بطريقة الاستثمار مرتفع جدا بسبب الكلف الإضافية التي يجب أن يتحملها المواطن ويدفع ثمنها مثل كلف الفساد المالي والإداري وكلف المخاطر الأمنية والتضخم وغيرها لذلك يصبح من العسير على ذوي الدخول المحدودة القدرة على شراءها, وإذا ما قارنا بين أسعار الوحدات السكنية المنجزة في العراق وبين مثيلاتها في بعض الدول العربية فإننا سنجد فرقا شاسعا بينهما, فالوحدة السكنية منخفضة الكلفة في مصر مثلا لا يتجاوز سعرها عن (10) آلاف دولار بينما في العراق وعلى ضوء الأسعار المعلنة فان كلفتها لا تقل عن (50) ألف دولار, وان الوحدات السكنية في سوريا وذات مواصفات أفضل بكثير مما هو عليه في العراق لا يزيد سعرها عن (20) ألف دولار بينما في العراق ومواصفات اقل جودة لا تقل عن(84) ألف دولار, وهذا يعني فشل المشاريع الإسكانية بطريقة الاستثمار من حل أزمة السكن لانعدام القدرة الشرائية لمن يعاني من هذه الأزمة وعدم تمكنه من اقتناء حاجته منها.

إن انتهاج العراق لنظام الاقتصاد الحر لا يعني تنصل الدولة من مسئولياتها تجاه المجتمع كما يعتقد البعض من المسئولين ويروج له, بل إن الاقتصاد الحر ارتبط دائما ببرامج العمل الاجتماعي الداعمة للطبقات الفقيرة وأصحاب الدخول المنخفضة أو العاطلين عن العمل بالإضافة إلى منضمات المجتمع المدني المتخصصة بالإسكان التي تأخذ على عاتقها تمويل مشاريع الإسكان وتوزيعها على مستحقيها من لايملكون سكنا خاصا بهم كما تقوم بمساعدتهم في تسديد قسما من سعر الشراء قد يصل إلى (50%) من قيمته أو استئجار مجمعات سكنية لإسكان المعدمين, هذه الإجراءات تتم في الدول التي تولي أهمية لابناءها ومعرفتها لما للسكن اللائق من أهمية في تحصين المجتمع والأسرة للكثير من الإمراض الاجتماعية, فهل ستستمر الحكومة العراقية بتجاهل أزمة السكن ومن يعاني منها وعدم أخذها على محمل الجد رغم الموازنات المالية الهائلة التي تنفقها في سراب.

Khalid.alkhafaji@yahoo.com

 (النائب المتقاعد) براءة اختراع عراقية

 

 

   تلبية لرغبات النواب لإشباع حاجاتهم الضرورية من الامتيازات, وفي سابقة هي الأولى في العالم ويحق لنوابنا في المطالبة بتسجيلها (كبراءة اختراع) لضمان حقوق الملكية الفكرية والإبداعية على اكتشافهم لمنصب جديد هو (النائب المتقاعد) ليكون عنوانا وظيفيا جديدا, أنتج في مصانع الفساد السياسي الوطنية, بخبرات محلية ودون الاستعانة بأية خبرات أجنبية.

   النائب في البرلمان العراقي يتقاضى راتبا اقل بقليل مما يتقاضاه الرئيس الاميريكي (اوباما) مع وجود فارق بسيط هو إن (اوباما) رئيس لأكبر دولة في العالم اقتصاديا, موازنتها تفوق الموازنة العامة للعراق لأكثر من (100) مرة, أما إذا ما أضيفت إلى نائبنا بقية الامتيازات, فان (اوباما) سيتمنى لو انه كان نائبا في البرلمان العراقي على أن يكون رئيسا لأكبر دولة.

   ينتهي عمر النائب العراقي الافتراضي بالاستقالة (وهو أمر نادر الحدوث), أو إقصاء الناخب له, فيتحول من نائب مقنع الى (نائب متقاعد) يتقاضى (80%) من أخر راتب, يدفعها الشعب العراقي من أمواله إكراما وعرفانا له بالجميل على تعطيل القوانين وعدم اكتمال النصاب وشفط المال العام, مع احتفاظه بامتيازات أخرى لأنه قد أصبح شخصية سياسية مرموقة وثروة قومية يجب المحافظة عليها من التقادم والاندثار وإطالة عمرها الافتراضي.

   مجلس النواب ونزولا عند رغبات (حاسدي النعم) من بقية أفراد الشعب العراقي, بضرورة الحصول على شهادة الجودة (الايزو) لهذا العنوان الوظيفي الجديد الذي ليس له مثيل في دول العالم شرع قانونا له, ووضع معايير قياسية مجحفة لتطبيقها عليه, ليكون هذا المنصب قادرا على المنافسة مع بقية العناوين الوظيفية وذا جدوى اقتصادية, فاشترط أن تكون خدمة النائب لا تقل عن (6) أشهر فقط ليكون مؤهلا لنيل هذا العنوان الوظيفي, وقد أرسلت نسخة من هذه المعايير لجهاز التقييس والسيطرة النوعية للتشدد في تطبيقها, فأي ظلم جسيم هذا الذي وقع على نوابنا ومحاولة بخس حقهم وحرمانهم من حقوقهم التقاعدية.

   إن مزاولة العمل السياسي تنبع عن مبادئ وطنية سامية يسعى فيها السياسي الى خدمة وطنه وشعبه دون انتظار مكافأة أو امتياز من احد, وله الرغبة في العمل الجاد بالارتقاء بالعمل السياسي ليكون قدوة حسنة لبقية أفراد الشعب, وفي معظم دول العالم تكتفي برلماناتها بتخصيص مكافآت شهرية للنواب تنتهي بانتهاء صفتهم النيابية, ووفق سلم الرواتب والأجور العام المعمول به في الدولة, ودون أن تكون هنالك امتيازات أخرى إلا ما ندر.

   أما في مجلس النواب العراقي فان الأمر يبدو وكأنه شركة مساهمة من شركات النظام الرأسمالي العابرة, أكثر مما يبدوا عليه كمجلس للنواب, النواب فيه كأعضاء مجلس الإدارة أو المدراء التنفيذيين, يمنحون لأنفسهم الرواتب والامتيازات والمخصصات الفاحشة من أموال الشركة دون وجه حق وإغراقها بالقروض والفوائد الى أن تشهر إفلاسها وتصفيتها, فيما يبقى صغار المستثمرين من أصحاب الأسهم, وهم الملاك الحقيقيين لرأسمال هذه الشركة تحت وطأة التقشف والكفاف وتحمل الخسارة ومخاطر الإفلاس.

   قد يبادر بعض المندسين في تظاهرات هذه الأيام عن سوء تقدير, للمطالبة باعتبار العمل النيابي هو عمل تطوعي لا يجوز أن يتقاضى فيه النائب أية أجور أو امتيازات لقاء عملهم هذا, ومن دون تقييم للعواقب الوخيمة لهذا المطلب, فإننا سنجد بان نوابنا وقد تبخروا, وعاد أصحاب الجنسيات المزدوجة الى أوطانهم بالتبني, وسيكتفون برواتب الإعانة الاجتماعية هناك, فيما سيعود الآخرون لمزاولة أعمالا أكثر ربحية, وستنتفي الحاجة الى هيئة النزاهة, فليس هنالك نوابا لتعقب شهاداتهم مجهولة الهوية والمصدر, فيما ستكتفي مفوضية الانتخابات بالتعاقد مع نواب (صينيين) للعمل في مجلس النواب العراقي, فهم دؤوبو العمل ولا يكلفوا الدولة شيئا.

الاحتيال السياسي وخداع الرأي العام …قانون التقاعد انموذجا

Khalid.alkhafaji@yahoo.com

ربما كان للاحتيال السياسي ما يبرره في العلاقات الدولية والسياسات الخارجية, طالما كان الهدف هو خدمة البلاد وفق المبدأ الميكافيلي “الغاية تبرر الوسيلة” التي نفتقدها تماما, بل غالبا ما تقمص محتالونا السياسيين دور الضحية الساذجة التي تقع ضحية الاحتيال الخارجي مقابل منافع شخصية على حساب المصالح الوطنية, ومع هذا فان الاحتيال السياسي يفقد كل مبرراته في إدارة شؤون البلاد الداخلية, ويتحول من دهاء سياسي إلى انتهازية وضيعة لمخادعة العقل الجمعي واستقطابهم واستمالتهم, تعكس التركيبة السايكولوجية والبيئة الشاذة التي نشأ بها هذا المحتال, وضعف ولاءه الوطني وتغليب مصالحه الشخصية على المصالح الوطنية في طريقة إدارته الدولة, والسير بها نحو الانحطاط في كل مجالاتها, ولعل أخطرها هو الانحطاط ألقيمي المجتمعي الذي يترسخ على أيدي أولئك المحتالين. ومما لاشك فيه إن المالكي يعد من ابرز الزعماء الذين تسيدوا الساحة السياسية بتناقضاته الخطابية, بل إن ديماغوغيته هي الصفة الوحيدة التي أهلته لتبوء منصبه, فهو من الخطباء البلغاء المتحمسين على الدوام لخداع الجماهير, مع وجود تنافر وتباين كبير في خطاباته يكمن في البون الشاسع بين التصريحات ومقتضيات تدبيجها بأرفع الكلمات وتزيينها بالوعود والانجازات, وبين الواقع الفعلي الذي يكذب ذلك الخطاب, حيث سرعان ماتتهاوى الشعارات وتصدم الجماهير بواقع معكوس تماما تتناقض فيه الأقوال مع الأفعال, هذا ان لم يكن خطابه جاء معكوسا لواقع الأحداث من الأساس, وهذه الازدواجية ليست حالة آنية عابرة, بل تكاد تكون هي الصفة المتلازمة التي تتصف بها تصريحات المالكي مع فعاله. ما أن أحال رئيس الوزراء نوري المالكي قانون التقاعد العام لنائبه لشؤون الطاقة”حسين الشهرستاني” الشخصية الحالمة التي يحتفظ العراقيين بذكريات مريرة عنها لتشريعه, حتى توجسنا خيفة مما سيؤول إليه القانون, وانتاب الشارع العراقي حالة من الارتياب بصدقية الحكومة في تنفيذها لمطالب المتظاهرين والمتعلقة بإلغاء الرواتب التقاعدية للدرجات الخاصة وإصدار قانون موحد للتقاعد بديلا عنه, وان خديعة سمجة ستنفذ ويجري الالتفاف على مطالب الجماهير, فالمالكي الذي وقف بكل ما أتته سلطاته من قوة شرعية وغير شرعية للحؤول دون قيام التظاهرات عاد بديماغوغيته ليعلن انه مع مطالب المتظاهرين بعد أن وجد إن المتظاهرين لا يعبئون بوعوده ووعيده, فاخرج قانونا بائسا للتقاعد أسوأ من سابقه سمي جزافا بالقانون الموحد وضعت فيه امتيازات للنخبة السياسية دون وجه حق, فلأول مرة نسمع إن هناك “خدمة جهادية” تمنح وفق قانون الانتهازية السياسي لمن قضى السنوات العجاف التي عاشها العراقيون وهو متنسما هواء أوربا العليل ومتنعما برواتب أجهزة مخابراتها, وان هناك خدمة تلقائية لا تقل عن خمسة عشر سنة للهيئات الرئاسية والوزراء, وان هناك خدمة ممتازة تتضاعف حسب الرضا والمقبولية من هذا الطرف النافذ أو ذاك, واغفل القانون تماما وضع سلما للرواتب لإيجاد نسبة وتناسب بين الحد الأدنى والأعلى للرواتب, وهذا ما يفتح الباب واسعا لمنح المسؤولين أنفسهم المزيد من الحقوق للارتقاء في هذا السلم الذي يعد هو الأكثر تباينا في العالم يبلغ أكثر من (300) ضعفا بين حديه الأعلى والأدنى بينما في الولايات المتحدة الاقتصاد الأول عالميا لا يزيد التباين بين الحدين عن (11) ضعفا. من الحماقة أن يتصور مزاولوا الاحتيال السياسي إمكانية الضحك على ضحاياهم بصياغة العبارات المنمقة وقدراتهم الخطابية وإطلاق والوعود والتعهدات من دون الوفاء بها خاصة مع شعب خبر هذه الأساليب جيدا, وإنما هم بذلك يكشفون عن خواءهم السياسي والأخلاقي وبيان معدنهم الحقيقي الذي لا يمكن توريته بتناقضاتهم

اقتصاد السوق الاجتماعي ونمط التعددية الديمقراطية

 

خالد الخفاجي

رئيس الرابطة الوطنية للمحللين السياسيين

Khalid.alkhafaji@yahoo.com

 

 

من نافلة القول إن ازدهار الغرب سياسيا واقتصاديا في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية لم يكن نتيجة لرفض الدولة وإيثار السوق عليها, وإنما ازدهر بسبب رفض الأيدلوجيات المتطرفة لكل من اليمين واليسار وفضل عليهما التعددية الديمقراطية في أنظمة الحكم السياسية والاقتصادية معا, والعراق إذا ما أراد بناء اقتصاد قوي يقوم على أسس متينة ومحكمة فعليه أولا بناء مؤسساته التعددية الديمقراطية السياسية والاقتصادية التي تستند الى توازن ذرائعي مؤسساتي بين القوى الفاعلة في المجتمع (الحكومة – السوق – المجتمع المدني), وتبني نظاما اقتصاديا وسطا لمنع تفرد الدولة في السوق أو تفرد السوق في المجتمع يعرف "باقتصاد السوق الاجتماعي".

ومن المعلوم إن الاقتصاد الاشتراكي المركزي وفق النمط السوفيتي المنهار الذي بات مؤشرا لقياس الفشل الاشتراكي افتقر الى التوازن ألتعددي والمسؤولية المدنية الضروريين في أي مجتمع مدني للاستجابة لحاجات المجتمع, وكان غير فعال في استخدام الموارد المتاحة ولم تكن معاناة الشعوب بعد ذلك ناجمة عن دولة ناشطة, بل كانت ناجمة عن أيدلوجية متطرفة استبعدت كل شيء لصالح الدولة, واليوم وبعد أن امن المنافسة الأيدلوجية, فأن يسير الغرب باقتصاد السوق في نفس الطريق الأيدلوجي المتطرف الذي أدى الى انهيار الاقتصاد السوفيتي, مع ملاحظة إن الفارق إنهم اندفعوا الى الاعتماد على شركات منفصلة غير مسؤولة, بدلا من الاعتماد على دولة منفصلة وغير مسؤولة, وتكمن المشكلة في انه كلما اندفع أنصار حرية السوق للاقتراب أكثر من مثالهم الأيدلوجي برأسمالية السوق الحرة, ازداد اقترابهم من الأسباب نفسها التي أخفقت فيها الأنظمة الماركسية, وتلاقيهما في عدة عوامل مشتركة, فكلا النظامين يسعيان الى تركيز السلطة الاقتصادية المطلقة في مؤسسات مركزية غير مسؤولة, الدولة في الاشتراكية والشركات في الرأسمالية, وكلاهما يخلق أنظمة اقتصادية تدمر الأنظمة الحية للأرض باسم التقدم الاقتصادي, كما ينتج كلاهما اعتمادا مجردا من السلطة على المؤسسات الضخمة التي تقوم بتآكل رأس المال الاجتماعي, الذي يعتمد عليه العمل الكفء للأسواق والحكومات والمجتمع, بالإضافة الى تبنيهما رأيا اقتصاديا متطرفا عن الحاجات الإنسانية التي تقوض الإحساس بالارتباط الروحي بالأرض والجماعة الحياتية الضرورية للإبقاء على النسيج الأخلاقي للمجتمع.

لذلك فان أي نظام اقتصادي لا يمكنه أن يبقى حيويا قابلا للتطبيق إلا إذا ظل المجتمع يتمتع باليات محددة لمجابهة سوء استغلال السلطة الذي تمارسه الدولة أو السوق على الاقتصاد ويؤدي الى تآكل رأس المال الطبيعي والاجتماعي والأخلاقي اللذين تغذيهما مثل هذه الممارسات.

لهذا بات من الضروري تجنب التطرف الاقتصادي والعمل بتعددية ديمقراطية تضمن عدم تفرد الدولة أو السوق من التحكم بالمجتمع, وإعادة نمط من الأنماط الاقتصادية الذي ظهر في أعقاب الأزمة المالية العالمية للرأسمالية في ثلاثينيات القرن الماضي عندما عجز اقتصاد السوق الحر بفعل إلية السوق القائمة على القانون الطبيعي العفوي عن توفير التوازن الاقتصادي بين العرض والطلب (الإنتاج – الاستهلاك) مما دعا العالم الاقتصادي (جون مينز كينز) إلى طرح أفكاره الجديدة القائمة على إعطاء دور اكبر للدولة في إعادة التوازن الاقتصادي الاستثماري والاستهلاكي, وأصبحت تلك الأفكار هي الأساس لما سمي فيما بعد (باقتصاد السوق الاجتماعي) في أواسط الأربعينات من القرن الماضي والذي طرحته المدرسة الاشتراكية البولندية والمدرسة الرأسمالية الألمانية, وهو النمط الذي بدا التعويل عليه كثيرا في وقتنا الراهن في دول عانت من فشل في تطبيق كلا النظامين لتجد السبيل أمامها في هذا النمط.

واقتصاد السوق الاجتماعي يعني إضفاء طابع أكثر اجتماعية في ديناميكية السوق من خلال تدخل الدولة للحفاظ على التوازن الاجتماعي ومكافحة حرائق الأزمات المالية الدورية للرأسمالية, هذا النمط لا يختلف كثيرا عن الاقتصاد الحر من حيث علاقات الإنتاج والتوزيع, فهو احد أنماط النظام الرأسمالي الذي يقوم على أساس الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج والمنافسة الفردية الحرة ودور قوى السوق (العرض والطلب) في تحديد أسعار السلع والخدمات, إلا إن أهم خاصية يتمتع بها هذا النمط تتمثل في إيجاد توازن نسبي بين الاستثمار والاستهلاك, وإضفاء طابعا أكثر اجتماعية على حركة السوق من خلال مجموعة من الطرق والوسائل والأدوات التي تسخرها الدولة للتقليل من تفاوت الثروة والدخل في المجتمع, حيث تمتلك الدولة القوة الاقتصادية والقانونية للتدخل لتصحيح الخلل الناجم عن وحشية السوق ومنع افتراسه للطبقات الضعيفة, مثل (نظام الضرائب التصاعدي) و(برامج العمل الايجابية) و(منظمات المجتمع المدني الداعمة للمجتمع) وتوفير الخدمات المجانية (كالتعليم والصحة والسكن والخدمات العامة), وخلق آليات التوازن والاستقرار ما بين حركة الأسعار والأجور, بما يكفل المحافظة على الاستقرار النسبي للأسواق, وإعادة توزيع الثروات في المجتمع.  

لذلك فأن نجاح نمط اقتصاد السوق الاجتماعي يعتمد أساسا على مستوى تطور حركة المجتمع المدني والحركة النقابية, ولا يمكن اعتماد هذا النمط دون ديمقراطية حقيقية لارتباطه بحزمة من القوانين والتشريعات التي تضمن وتصون حقوق الأطراف المشاركة في عملية التكافل الاجتماعي (قوة العمل –الرأسمال – الدولة) حيث يتطلب وجود دولة قوية قائمة على الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية, وان تتميز بالنزاهة والشفافية.

هذا النمط اعتمد في ألمانيا والدول الاسكندنافية واليابان منذ نهاية الحرب العالمية الثانية, وروسيا بعد تولي (بوتن) الحكم عام (2000), كما تعتمده دول الخليج واندونيسيا وكوريا الجنوبية, وهو النظام الأمثل الذي يمكن اعتماده في العراق لمكافحة الفقر وسوء توزيع الثروات العامة التي تسببت في اتساع الفجوة ما بين الفقراء والأغنياء.